الشيخ محمد رشيد رضا

190

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والراجح أنها كانت أول ما أوتيه من وحي التشريع فكانت أصل التوراة الاجمالي وكانت سائر الأحكام التفصيلية من العبادات والمعاملات الحربية والمدنية والعقوبات تنزل عليه ويخاطبه الرب تعالى بها في أوقات الحاجة إليها كالقرآن . واختلفوا في عدد الألواح فقيل كانت عشرة وقيل سبعة وقيل اثنين ، قال الزجاج يجوز أن يقال في اللغة للوحين ألواح . وهذا كل ما يصح أن يذكر من خلافهم فيها وأما تلك الروايات الكثيرة في جوهرها ومقدارها وطولها وعرضها وكتابتها وما كتب فيها فكلها من الإسرائيليات الباطلة التي بثها في المسلمين أمثال كعب الأحبار ووهب بن منبه فاغتر بها بعض الصحابة والتابعين ان صحت الروايات عنهم وقد لخص السيوطي منها في الدار المنثور ثلاث ورقات - أي ست صفحات - واسعات من القطع الكبير ، وليس منها شيء يصح أن يسمى درة وان كان منها أن الألواح من الياقوت أو من الزمرد أو من الزبرجد كما أن منها أنها من الحجر ومن الخشب ، وقد أعجبني من الحافظ ابن كثير أنه لم يذكر من تلك الروايات شيئا على سعة اطلاعه ، وقد تبع في هذا عمدته في التفسير ابن جرير رحمهما اللّه تعالى ولكن ذكر بعضها الآلوسي من المتأخرين تبعا لغيره كرواية الطبراني والبيهقي في الدلائل عن محمد بن يزيد الثقفي قال : اصطحب قيس بن خرشة وكعب الأحبار حتى إذا بلغا صفين وقف كعب ثم نظر ساعة ثم قال : ليهراقن بهذه البقعة من دماء المسلمين شيء لا يهراق ببقعة من الأرض مثله . فقال قيس : ما يدريك ؟ فان هذا من الغيب الذي استأثر اللّه به ، فقال كعب ما من الأرض شبر إلا مكتوب في التوراة التي أنزل اللّه على موسى ما يكون عليه وما يخرج منه إلى يوم القيامة . واستدل به الآلوسي على أن قوله تعالى ( مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) على أوسع ما يحمله اللفظ من العموم وأنا أظن أن هذا القول موضوع على كعب وان كنت أخالف الجمهور في مسألة تعديله ، وتأول الآلوسي له هذا القول الظاهر بطلانه بالبداهة بقوله : ولعل ذلك من باب الرمز كما ندعيه في القرآن اه وما ذكرت هذا إلا للتعجيب من فتنة هذه الروايات الباطلة إلى أي حد وأي زمن وصل تأثيرها السيء حتى أن هذا النقادة قد اغتر بمثل هذا منها وتأويله بما هو باطل مثله ، فإنه لم يصح عن أحد من أئمة المسلمين الذين يعتد بعلمهم بكتاب اللّه تعالى انه ليس في العالم أو في الأرض شبر الا وقد كتب فيه ( أي القرآن ) ما يقع فيه وما يخرج منه ، وانما قال مثل هذا بعض المجازفين