الشيخ محمد رشيد رضا

17

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بالعذاب فجأة وهم فاقدون للشعور بما سيحل بهم ، لأنهم كانوا يجهلون سنن اللّه تعالى في الاجتماع البشري فلا هم عرفوها بعقولهم ، ولا هم صدقوا الرسل في نذرهم ، وهذا معنى قوله تعالى في سياق سورة الأنعام الذي ذكرناه آنفا ( 6 : 44 فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ ) وذلك شأن الكافرين والجاهلين : إذا مسهم الشر يئسوا وابتأسوا ، وإذا مسهم الخير اشروا وبطروا ، فإذا كان ذلك الخير قوة وسلطة بغوا في الأرض ، وأهلكوا الحرث والنسل أصاب أهل بيت في احدى المدن السورية نفخة من جاه الشيخ محمد أبي الهدى الصيادي أحد المقربين من السلطان عبد الحميد في عصره ، فنهبوا بجاهه الأموال وانتهكوا الاعراض ، وبغوا في الأرض الفساد ، فكنا نتحدث مرة في أمرهم فقلنا : ألم يكن خيرا لهؤلاء لو اغتنموا هذه الفرصة باصطناع الناس بالمعروف ، وعمل البر النافع للوطن ، فان جاه أبي الهدى ليس له دوام ، ونحوا من هذا الكلام . فقال السيد الوالد رحمه اللّه تعالى : إن أمثال هؤلاء لا يفهمون هذه الحكم ولا يعقلونها ، ولقد أصاب والدهم من قبلهم رياسة إدارية صغيرة كواحد منهم فبغى وبطر وتكبر وتجبر وآذى الناس ، فنصحت له إذ كان يوادني ويحترمني وذكرته بتغير الأحوال ، فقال لي يا سيد : ان لكلّ أحد يوما يرقص له فيه الزمان فينبغي له أن يستمتع فيه ولا يضيع الفرصة على نفسه وقد قال اللّه تعالى في هذا المعنى ( 17 ، 83 وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً ( 84 ) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا ) وقال ( 42 : 45 وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ ) المراد بالفرح ما كان عن بطر وغرور ، وقال ( 10 : 22 هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ - دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ : لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ اقرا تتمة الآية وما بعدها وأما المؤمنون باللّه وما جاء به رسله حقا فهم الذين تكون الشدائد