الشيخ محمد رشيد رضا

184

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

قلنا بالصوت أدى ذلك إلى الحلق والحنجرة ، عملوا في هذا من التخبط كما عملوا فيما تقدم من الصفات « والتحقيق هو أن اللّه تعالى قد تكلم بالحروف كما يليق بجلاله وعظمته فإنه قادر والقادر لا يحتاج إلى جوارح ولا إلى لهوات ، وكذلك له صوت كما يليق به يسمع ولا يفتقر ذلك الصوت المقدس إلى الحلق والحنجرة : كلام اللّه تعالى كما يليق به وصوته كما يليق به ، ولا ننفي الحرف والصوت عن كلامه سبحانه لافتقارهما منا إلى الجوارح واللهوات فإنهما من جناب الحق تعالى لا يفتقران إلى ذلك . وهذا ينشرح الصدر له ويستريح الانسان به من التعسف والتكلف بقوله : هذا عبارة عن ذلك « فان قيل فهذا الذي يقرؤه القارئ هو عين قراءة اللّه تعالى وعين تكلمه هو ؟ قلنا لا بل القارئ يؤدي كلام اللّه تعالى والكلام انما ينسب إلى من قاله مبتديا لا إلى من قاله مؤديا مبلغا ، ولفظ القارئ في غير القرآن مخلوق وفي القرآن لا يتميز اللفظ المؤدي عن الكلام المؤدى عنه ولهذا منع السلف عن قول لفظي بالقرآن مخلوق لأنه لا يتميز كما منعوا عن قول لفظي بالقرآن غير مخلوق فان لفظ العبد في غير التلاوة مخلوق وفي التلاوة مسكوت عنه كيلا يؤدي الكلام في ذلك إلى القول بخلق القرآن وما أمر السلف بالسكوت عنه يجب السكوت عنه واللّه الموفق اه ( يقول مؤلف هذا التفسير ) ان لدينا في تقريب صفة الكلام من الافهام قولا آخر وهو ان جميع ما ثبت في النصوص من صفات اللّه تعالى وشؤونه فالتعبير عنه مستعار مما وضعه الناس في اللغة لأنفسهم فنفهم بهذه المراد من تلك بقدر الطاقة البشرية ونعرف بدليلي العقل والنقل الفرق بينهما وأن النسبة بينهما المباينة في الحقيقة . وقد عبر أبو حامد الغزالي عن ذلك تعبيرا بليغا في قوله من كتاب الشكر من الاحياء : « ان للّه عز وجل في جلاله وكبريائه صفة عنها يصدر الخلق والاختراع ، وتلك الصفة أعلى وأجل من أن تلمحها عين واضع اللغة حتى يعبر عنها بعبارة تدل على كنه جلالها وخصوص حقيقتها فلم تكن لها في العالم عبارة لعلو شأنها وانحطاط رتبة واضعي اللغات عن أن يمتد طرف فهمهم إلى مبادي اشراقها ،