الشيخ محمد رشيد رضا
169
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( 8 كلمة في النور والحجب والتجلي في الصور ) قال المحقق ابن القيم في ( مدارج السالكين ، شرح منازل السائرين ) للهروي في الكلام على الدرجة الثانية من منزلة ( اللحظ ) ما نصه « ونور الكشف عندهم هو مبدأ الشهود وهو نور تجلي معاني الأسماء الحسنى على القلب فتضيء به ظلمة القلب ، ويرتفع به حجاب الكشف ، ولا تلتفت إلى غير هذا فتزل قدم بعد ثبوتها ، فإنك تجد في كلام بعضهم « تجلي الذات يقتضي كذا وكذا ، وتجلي الصفات يقتضي كذا وكذا ، وتجلي الافعال يقتضي كذا وكذا » والقوم عنايتهم بالألفاظ فيتوهم المتوهم انهم يريدون تجلي حقيقة الذات والصفات والافعال للعيان ، فيقع من يقع منهم في الشطحات والطامات ؛ والصادقون العارفون براء من ذلك ، وانما يشيرون إلى كمال المعرفة وارتفاع حجب الغفلة والشك والاعراض ، واستيلاء سلطان المعرفة على القلب بمحو شهود السوى بالكلية ، فلا يشهد القلب سوى معروفه ، وينظرون هذا بطلوع الشمس فإنها إذا طلعت انطمس نور الكواكب ولم تعدم الكواكب وانما غطى عليها نور الشمس فلم يظهر لها وجود وهي موجودة في أماكنها ، هكذا نور المعرفة إذا استولى على القلب وقوي سلطانها وزالت الموانع والحجب عن القلب . ولا ينكر هذا إلا من ليس من أهله ، ولا يعتقد أن الذات المقدسة والأوصاف برزت وتجلت للعبد كما تجلى سبحانه للطور وكما يتجلى يوم القيامة للناس الاغالط فاقد للعلم ، وكثيرا ما يقع الغلط من التجاوز من نور العبادات والرياضة والذكر إلى نور الذات والصفات . فان العبادة الصحيحة والرياضة الشرعية والذكر المتواطئ عليه القلب واللسان يوجب نورا على قدر قوته وضعفه ، وربما قوي ذلك النور حتى يشاهد بالعيان فيغلط فيه ضعيف العلم والتمييز بين خصائص الربوبية ومقتضيات العبودية فيظنه نور الذات ، وهيهات ! ثم هيهات ! نور الذات لا يقوم له شئ . ولو كشف سبحانه وتعالى الحجاب عنه لتدكدك العالم كله كما تدكدك الجبل وساخ لما ظهر له القدر اليسير من التجلي « وفي الصحيح عنه صلّى اللّه عليه وسلّم « ان اللّه سبحانه لا ينام ولا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه ، يرفع اليه عمل الليل قبل عمل النهار ، وعمل النهار قبل عمل الليل ، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى اليه بصره من خلقه » فالاسلام له نور والايمان له نور أقوى منه والاحسان له نور