الشيخ محمد رشيد رضا

150

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ويتجافى جنبه عن مضجعه ، ذاهلا عن حقوق حليلته ، تلذذا بحل مشكلات المسائل واكتشاف أسرار الكون ، أو بالنفث في عقد السياسة ، وما تقتضيه أعباء الرياسة ، ألا وان أعلى العلوم العقلية والمعارف الروحية في هذه الدنيا هو معرفة اللّه سبحانه وتعالى والعلم بمظاهر أسمائه وصفاته في خلقه والوقوف على سننه وأسراره فيها ، وكشف الحجب عما أودع فيها من الجمال والجلال ، وفي النظام الذي قامت به من آيات الكمال ، التي هي مجلى صفات بارئها وهو منتهى الجمال والجلال والكمال ، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال وما زال أصحاب الهمم العالية من العلماء والحكماء يستلون بما ظهر لهم من تلك السنن والآيات على كمال مبدعها ومبدئها ومصرفها ، وتتطلع عيون عقولهم إلى كيفية صدور الوجود الممكن الحادث ، ( وهو مجموع هذه العوالم العلوية والسفلية ) عن الوجود الأزلي الواجب ، ويهتمون بارتقاء الأسباب للوصول إلى معرفة أول موجود ممكن منها ، وكيف ابتدأت سلسلة الأسباب بعد ذلك بتحول البسائط وتولد بعضها من بعض ، قبل وجود هذه المركبات المعروفة من السماء والأرض ، طمعا في معرفة حقيقة ذلك الوجود الاعلى ، على عجزهم عن إدراك كنه أدنى هذه الموجودات السفلى ، وقد اختلف الحكماء في امكان وصول العلم البشري ، إلى حقيقة الوجود الأول الأزلي ، وكيفية صدور الموجودات الممكنة عنه ، فقال بعضهم بامكان ذلك وتوقع حصوله في يوم من الأيام ، وقال آخرون بأنه فوق استعداد الأنام والحق في ذلك ما هدانا اليه دين اللّه الحق ، وهو أن ادراك أبصار الخلق له سبحانه وتعالى وإحاطة علمهم به من المحال الذي لا مطمع فيه ( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ * يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) ولكن العجز عن الادراك والإحاطة ، لا يستلزم العجز عما دون ذلك من العلم والمعرفة ، التي ترتقي إلى الدرجة التي عبر عنها بالتجلي والرؤية ، فان كانت ظواهر الآيات في ذلك متعارضة ، فالأحاديث والآثار الصحيحة المبينة له جلية واضحة ، وانما وقع المراء بين المتكلمين والمتفلسفين وبين علماء الآثار