الشيخ محمد رشيد رضا
147
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
في بعض الروايات لا يسوغ في البعض الآخر . وإذا كان الغرض من التأويل تقريب المعاني إلى الأذهان حتى لا يبقى مجال واسع للتشكيك في النصوص فان الواقفين على علوم هذا العصر وفنونه قد يحتاجون إلى ما لم يكن يحتاج اليه من قبلهم ، وقد بينا في مسألة الرؤية ما اشتدت اليه الحاجة في فتوى المنار التي أشرنا إليها في هذا البحث وفي مسألة الكلام الإلهي ما فسرنا به الآيات التي سبقت فيه وسنزيد ذلك بيانا هنا ، وسنذكر الفتوى بنصها ( 9 ) اختلف العلماء في رؤية النبي ( ص ) لربه ليلة المعراج بين إثبات ونفي ووقف ، واختلف المثبتون في الرؤية هل هي بعين البصر أم بعين القلب والبصيرة ؟ كما اختلفوا في المعراج نفسه هل كان يقظة أم مناما أم مشاهدة روحية بين اليقظة والنوم لاختلاف الروايات عن الصحابة والتابعين ( رض ) فيها ولما ورد في الأحاديث المتعارضة في المسألة عاما وخاصا . والتحقيق أنه قد وردت أحاديث مرفوعة صحيحة في النفي دون الاثبات كحديث « نور أنى أراه » المتقدم في النفي الخاص به ( ص ) وكحديث « واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا » رواه مسلم وكذا ابن خزيمة عن أبي أمامة وعبادة بن الصامت أما الصحابة فاشتهر الاثبات عن ابن عباس منهم وروي عن أنس أيضا وأخذ به بعض التابعين وقبله بعض المحدثين والمتكلمين الذين لا يدققون في تمحيص روايات الفضائل والمناقب واشتهر المنع عن عائشة والرواية عنها فيه أصح وأصرح ، وتقدم ما رواه الشيخان عن مسروق عنها فيه ، وفي بعض رواياته ان مسروقا لما سألها هل رأى محمد ربه ؟ قالت له . لقد قف شعري مما قلت . وروي النفي عن آخرين من الصحابة منهم ابن مسعود وأبو هريرة وغيرهما واما المحدثون الذين عنوا بالتعادل والترجيح والجمع بين الروايات فمنهم من نظر فيها لاثبات ما سبق إلى اعتقاده ومالت اليه نفسه كالحافظ ابن خزيمة وتبعه النووي فرجحا رواية ابن عباس على رواية عائشة التي هي أصح سندا وأقوى دليلا بحجة انها لم تنف الرؤية بحديث مرفوع ولو كان معها لذكرته وانما اعتمدت على الاستنباط فتأولت آية ( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ) وآية ( وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً ) الخ وقد غفلا عما لم يجهلا من حديثها في الصحيحين وقولها لمسروق لما احتج عليها بدلالة آية سورة النجم على رؤيته « ص » لربه انها أول من سأله « ص » عن هذه الآية وتقدم لفظها في رواية الصحيحين ؛