الشيخ محمد رشيد رضا
12
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
تعالى أرسله إلى قومه أهل مدين وإلى من اتصل بهم إلى ساحل البحر الأحمر وان حال الفريقين في الكفر والمعاصي كانت واحدة وكان ينذرهم متنقلا بينهم في زمن واحد ، فلا يبعد حينئذ أن يكون العذاب قد أخذ الفريقين في وقت واحد أو وقتين متقاربين ، فكان عذاب مدين بالرجفة والصيحة المصاحبة لها ، وعذاب أصحاب الأيكة بالسموم وشدة الحر الذي انتهى بظلة من السحاب فزعوا إليها يبتردون بظلها ، فأطبقت عليهم فاختنقوا بها أجمعون ، وذهب بعض المفسرين إلى أن عقاب الفريقين واحد وسيأتي بيان ذلك في تفسير سورة الشعراء ان شاء اللّه تعالى * * * الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا - الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ يقال غني بالمكان يغنى بوزن « رضي يرضى » إذا نزل به وأقام فيه . هكذا أطلقوه وقيده بعضهم بقيد أو قيدين ، قال الراغب : وغني في مكان كذا إذا طال مقامه فيه مستغنيا به عن غيره . واكتفى بعضهم بقيد طول الإقامة وبعضهم بالإقامة في رغد عيش والآية بيان مستأنف من قبل اللّه عز وجل ناقض لقول الملا من قوم شعيب لقومهم ( لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ ) وقولهم قبله ( لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا ) كأن سائلا يسأل عنهم باعتبار كل من الحالين كيف انتهى الامر فيها وكيف كان عاقبة أهلها ؟ فأجيب عن الأول بقوله : الذين كذبوا شعيبا وهددوه وأنذروه الاخراج من قريتهم قد هلكوا وهلكت قريتهم فحرموها كأن لم يقيموا ولم يعيشوا فيها مطلقا أو في ذلك العيش الرغيد ، والأمد المديد ، فمتى انقضى الشيء صار كأنه لم يكن وأجيب عن الثاني بقوله : الذين كذبوا شعيبا وزعموا أن من يتبعه يكون خاسرا وأكدوا زعمهم بأقوى المؤكدات كانوا هم الخاسرين لما يعتزون به من تقاليد ملتهم ، ومن مالهم ووطنهم ، ولما كانوا موعودين به من سعادة الدنيا والآخرة لو آمنوا - دون الذين اتبعوه فإنهم كانوا هم الفائزين المفلحين ، فالجملة تفيد حصر الخسار في المكذبين له بالنص ، وتقتضي نفيه عن المتبعين له بالأولى ، ومناسبة الجزاء للذنب بجعل الحرص على التمتع بالوطن والاستبداد فيه على أهل الحق سببا للحرمان الأبدي منه ، وجعل الحرص على الريح بأكل أموال الناس بالباطل سببا للخسران بالحرمان منه ومن غيره واختار بعضهم في نكتة الفصل والتكرار وجها آخر وهو انه بيان