الشيخ محمد رشيد رضا
137
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ولا يدرك ولا يحاط به - كنظائره - فقوله ( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ) يدل على غاية عظمه وانه أكبر من كل شيء ، وانه لعظمته لا يدرك بحيث يحاط به ، « * » فان الادراك هو الإحاطة بالشيء وهو قدر زائد على الرؤية . ثم استدل على هذا المعنى لغة بما تستغني عن ذكره بما أوردناه في تفسير هذه الآية من سورة الأنعام فقد حققنا المعنى اللغوي للادراك وألممنا بمسألة الخلاف في الرؤية ووعدنا بتفصيل الكلام فيها عند تفسير آية الأعراف التي نحن في صدد تفسيرها الآن ( وجوابنا ) عما ذكر ان هذه الدقائق اللغوية مما يخفى على أكثر علماء اللغة - وكذا أهل السليقة أيضا - ولذلك اختلفوا في معناها فكيف يقال في شيء منها انه نص قطعي لا يحتمل التأويل ؟ وغرضنا من هذا التطويل ببيان حجج كل فريق اقناع أهل البصيرة في الدين ، والاخلاص في جمع كلمة المسلمين ، من المستقلين في الفهم ، والراسخين في العلم ، حتى المولودين في مهود المذاهب ، والناشئين في حجور الأحزاب والشيع ، أن يجتهدوا في التوفيق والتأليف ، ومنع جعل هذه المسألة وأمثالها من أسباب التفريق ، فضلا عن جعلها من أسباب التكفير أو التفسيق ، وليعذرنا من برانا نخالف فهمه أو مذهبه في ترجيحنا للمأثور عن جمهور السلف الصالح فيها وفي جميع أمور الدين ، ثم ليعذرنا اخواننا السلفيون في تقريب مذهب السلف اى العقول التي لا يرجى أن تهتدي به وتأخذه بالقبول الا باثباته بما ألفت من طرق لاستدلال ، وايضاحه بما يقربه إليها من ضرب الأمثال ، وقد سبق لنا تحقيق هذين الامرين معا بفتوى نشرت في ص 282 - 288 من المجلد التاسع عشر من المنار ، فيحسن ان تضاف إلى هذا البحث ، وان يلخص الموضوع في قضايا معدودة تكون اضبط له واجمع لما يحتاج اليه المسلمون منه في دنياهم وآخرتهم ، وان كان فيه تكرار فان التكرار في ايضاح الحقائق ضروري واننا نقدم بين يدي ذلك قضايا جامعة في المسألة وما ورد فيها من الأحاديث الصحيحة ، وأقوال السلف والخلف فيها
--> ( * ) تعليلنا هنا لعدم ادراكه تعالى بإحاطته بكل شيء اظهر وابعد عن الايهام من تعليل شيخ الاسلام إياه بعظمته سبحانه ، واظهر منه تعليل آية الأعراف نفسها إياه بلطفه تعالى وكل منهما صحيح ولكل منهما موقع - راجع ص 56 ج 7 تفسير