الشيخ محمد رشيد رضا

123

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عز وجل من وراء حجاب بغير واسطة الملك « 1 » استشرفت نفسه الزكية العالية للجمع بين فضيلتي الكلام والرؤية فقال : رب أرني ذاتك المقدسة بأن نجعل لي من القوه على حمل نجليك ما أقدر به على النظر إليك ورؤيتك وكمال المعرفة بك بالقدر الممكن أي دون ما هو فوق امكان المخلوقين من الادراك والإحاطة المنفى بقوله تعالى ( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) فيراجع تفسير هذه الآية من سورة الأنعام ( ص 651 - 657 م 7 تفسير ) قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي أي إنك لا ترني الآن ، ولا فيما تستقبل من الزمان ، ثم استدرك تبارك وتعالى على ذلك بما يدل على تعليل النفي ، وتخفف عن موسى شدة وطأة الرد ، باعلامه ما لم يكن يعلم من سنته ، وهو انه لا يقوى شيء في هذا الكون على رؤيته كما قال ( ص ) في حديث أبي موسى عند مسلم « حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى اليه بصره من خلقه » فقال : ولكن انظر إلى الجبل فاننى سأنجلى له فان ثبت لدى التجلي وبقي مستقرا في مكانه فسوف تراني ، لمشاركتك له في مادة هذا العالم الفاني ، وإذا كان الجبل في قوته ورسوخه لا يثبت ولا يستقر لهذا التجلي لعدم استعداد مادته لقوة تجلي خالفه وخالق كل شيء فاعلم أنك لن تراني أيضا وأنت مشارك له في كونك مخلوقا من هذه المادة وخاضعا للسنن الربانية في قوتها وضعف استعدادها ( وخلق لانسان ضعيفا ) وقبولها للفناء روى عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال : لما سمع الكلام طمع في الرؤية وروى أبو الشيخ عن ابن عباس قال حين قال موسى لربه تبارك وتعالى ( أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ ) له يا موسى انك ( لَنْ تَرانِي ) قال يقول ليس تراني لا يكون ذلك أبدا ، يا موسى انه لن يراني أحد فيحيا ، قال موسى رب أن أراك ثم أموت أحب اليّ من أن لا أراك ثم أحيا . فقال اللّه يا موسى ( انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ ) العظيم الطويل الشديد ( فان استقر مكانه ) يقول فان ثبت مكانه لم يتضعضع ولم ينهد لبعض ما يرى من عظمى ( فسوف تراني ) أنت لضعفك وذلتك ، وان الجبل تضمضع وانهد بقوته وشدته ، عظمه فأنت أضعف وأذل اه فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا ، وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً يقال جلا الشيء

--> ( 1 ) راجع تفسير ( منهم من كلم اللّه ) في أول الجزء الثالث من تفسيرنا وتفسير « وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً » في ص 71 ج 6 منه