الشيخ محمد رشيد رضا

119

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الْمُؤْمِنِينَ ( 143 ) قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 144 ) وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ * * * هذه الآيات نزلت في بيان بدء وحي الشريعة لموسى عليه السّلام وقد بدء الوحي المطلق اليه في جانب الطور الأيمن من سيناء منصرفه من مدين إلى مصر ، وانما المذكور هنا بدء وحي كتاب التوراة بعد أن أنجى اللّه قومه بني إسرائيل من العبودية وجعلهم أمة حرة مستقلة قادرة على القيام بما يشرعه اللّه لها من العبادات وأحكام المعاملات ، والأمة المستعبدة للأجنبي لا تقدر على ذلك ، ألم تر أن جميع أحكام المعاملات الدنيوية من شريعتنا المطهرة وأكثر أحكام العبادات لم تشرع الا بعد الهجرة ؟ وأن الصلاة التي هي عبادة بدنية لما شرعت في مكة كان النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يصلي هو ومن آمن به في البيوت سرا انقاء أذى المشركين الذين كانوا يمنعونهم من الصلاة في المسجد الحرام وقد صلى فيه النبي ( ص ) مرة فجاء المشركون بسلا جزور - أي كرش بعير بفرثه - فوضعوه عليه وهو ساجد فلم يستطع رفع رأسه حتى جاءت ابنته السيدة فاطمة عليها السّلام فألقته عن ظهره ؟ وهمّ أبو جهل مرة ان يجلس عليه وهو ساجد فكفه اللّه عنه ؟ قال تعالى وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً هذا السياق معطوف على السياق الذي قبله المبدوء بقوله تعالى ( وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ ) الآيات . قرأ أبو عمرو ويعقوب ( وعدنا ) من الوعد والباقون ( واعَدْنا ) من المواعدة فقيل إنها هنا بمعنى الوعد وقيل إن فيها معنى صيغة المفاعلة باعتبار أن اللّه تعالى ضرب لموسى عليه السّلام موعدا لمكالمته وإعطائه الألواح المشتملة على أصول الشريعة فقبل ذلك ثم صعد جبل سيناء في أول الموعد وهبط في آخره ، وفرق بين الاتفاق على الشيء بين اثنين أو أكثر كالتلاقي في مكان معين أو زمان معين وبين الوعد به من واحد