الشيخ محمد رشيد رضا

115

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والشيء الاد والمنكر الفظيع منه عليه السّلام جهل بقيمته ، وبمعنى رسالته ، وبما رأوه من جهاده لفرعون وقومه ، من غير حول ولا قوة له في شخص أخيه ولا في شخصه ، بل بالاتكال على حول اللّه وقوته ، ولولا إرادة انكار الامرين معا : طلب آله مع اللّه ، وكونه بجعله عليه السّلام - لقال : أغير اللّه تبغون الها . كقوله تعالى ( أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ) ثم أيد هذا الانكار بما يعرفون من آيات اللّه تعالى فيهم ، وهو تفضيلهم على أهل زمانهم ، فقد كان ارقى الناس في ذلك العصر فرعون وقومه بما أوتوا من العلم والقوة والحضارة وسعة الملك ومن السيادة على بعض الشعوب ، وقد فضل اللّه بني إسرائيل عليهم ، برسالة موسى وهارون منهم ، وتجديد ملة إبراهيم فيهم ، وايتائهما من الآيات ما تقدم بيانه وأثره في السياق الذي قبل هذا ، وقيل إن المراد تفضيلهم على العالمين مطلقا بكثرة الأنبياء والمرسلين منهم ، والأول أظهر ، لأنه عليه السّلام احتج عليهم بما عرفوا فيبعد أن يراد به تفضيلهم على القرون الأولى وأقوام رسلهم وعلى من سيأتي بعدهم ، وحال كل منهما مجهول عنده وعندهم ، فقد سأل فرعون موسى عن القرون الأولى فقال ( علمها عند ربي ) والقرون الآخرة بذلك أولى . وأنت إذا قلت لغنى أو عالم انك اغنى أو أعلم الناس ، أو لملك : انك أقوى الملوك ، أو في شعب انه ارقى الشعوب - فان أحدا لا يفهم من مثل هذا تفضيل من ذكر على غير أهل زمانهم ، ولا سيما من يأتي بعدهم ، وأهل الحضارة في زماننا يعتقدون أن الأجيال الآتية سيكونون خيرا من هذا الجيل ، وكان موسى يعلم أن هداية الدين ، سترتقي إلى أن تكمل برسالة خاتم النبيين ، ولكنه أوتي هذا العلم بما أوحاه اللّه اليه في التوراة ولم يكن نزل منها شيء عند طلب بني إسرائيل منه ما ذكر * * * والدليل على أن المراد بتفضيلهم على العالمين ما ذكرنا انه عطف عليه أعظم مظاهره الحديثة العهد بقوله وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ قرأ ابن عامر ( وإذ نجاكم ) على أنه من مقول موسى عليه السّلام قطعا والباقون ( أَنْجَيْناكُمْ ) وذكروا فيه احتمالين ( أحدهما ) وهو الأظهر والمتبادر أن يكون مسندا إلى اللّه تعالى متمما لكلام موسى ومبينا للمراد منه على طريقة الالتفات عن الحكاية عنه ، ولهذا الالتفات نظائر في التنزيل وفي كلام بلغاء العرب ، ومنه قوله تعالى في قصة موسى من سورة طه ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ