الشيخ محمد رشيد رضا

111

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

تعالى بالعبادة من غير واسطة ، ولا التقيد بمظهر من المظاهر يتوجه اليه معه ، ولا سيما مظهر الأصنام والتماثيل لبعض المخلوقات التي اغتر الجاهلون من قبل بنفعها أو الخوف من ضررها ، فالأول كالكواكب والنيل والعجل ( أبيس ) والثاني كالثعبان - ثم جهل ما كرم اللّه تعالى به البشر فجعلهم أهلا لمعرفته ودعائه ومناجاته كفاحا بغير واسطة يقربهم اليه فإنه أقرب إليهم من حبل الوريد ، وهو الاحد الصمد الذي يتوجه اليه ويقصد وحده ولذلك قال اماما الموحدين ، إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والتسليم ( إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) وهذا النوع من الجهل هو الذي قال اللّه تعالى فيه ( وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ) واسناد الجهل إلى القوم أبلغ من اسناده إلى ضمير المخاطبين لأنه حكم على جماعتهم ، بما هو كالمتحقق المعروف من حالهم ، الذي هو علة لمقالهم ، يدخل فيه الذين سألوه ذلك منهم دخولا أوليا * * * وبعد أن ذكرهم بسوء حالهم من جهلهم وسفاهة أنفسهم بين لهم فساد ما طلبوه في نفسه عسى أن تستعد عقولهم لفهمه واستنانة قبحه فقال بأسلوب الاستئناف المفيد للتعليل والدليل إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ التبار والتبر الهلاك والتتبير الاهلاك والتدمير يقال تبر الشيء من باني تعب ونصر وتبره - بالتشديد : أهلكه ودمره . أي ان هؤلاء القوم الذين يعكفون على هذه الأصنام مقضي على ما هم فيه بالتبار ، بما سيظهر من التوحيد الحق في هذه الديار ، وباطل ما كانوا يعملون من الأصنام ، وعبادة غير اللّه ذي الجلال والاكرام ، أي هالك وزائل لا بقاء له ، فإنما بقاء الباطل في ترك الحق له أو بعده عنه ، وهذا يتضمن البشارة منه عليه السّلام بزوال الوثنية من تلك الأرض وكذلك كان قال البغوي في تفسيره ان طلب بني إسرائيل للآلهة لم يكن عن شك منهم بوحدانية اللّه تعالى وانما كان غرضهم إلها يعظمونه ويتقربون بتعظيمه إلى اللّه تعالى وظنوا أن ذلك لا يضر بالديانة وكان ذلك جهلهم كما آذنت به الآيات وقال الرازي : اعلم أن من المستحيل أن يقول العاقل لموسى ( اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ ) وخالقا مدبرا ، لان الذي يحصل بجعل موسى وتدبيره لا يمكن أن يكون خالقا للعالم ومدبرا له ، ومن شك في ذلك لم يكن كامل العقل ،