الشيخ محمد رشيد رضا
97
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ) وهذا التعقيب نظير قوله في الانعام ( خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ) فأخبر ان عذابهم في جميع الأوقات ورفعه عنهم في وقت يشاؤه صادر عن كمال علمه وحكمته لا عن مشيئة مجردة عن الحكمة والمصلحة والرحمة والعدل إذ يستحيل تجرد مشيئته عن ذلك الوجه الرابع والعشرون - ان جانب الرحمة أغلب في هذه الدار الباطلة الفانية الزائلة عن ب من جانب العقوبة والغضب ولولا ذلك لما عمرت ولا قام لها وجود كما قال تعالى ( وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ ) وقال ( وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ ) فلو لا سعة رحمته ومغفرته وعفوه لما قام العالم . ومع هذا فالذي أظهره من الرحمة في هذه الدار وأنزله بين الخلائق جزء من مائة جزء من الرحمة فإذا كان جانب الرحمة قد غلب في هذه الدار ونالت البر والفاجر والمؤمن والكافر مع قيام مقتضى العقوبة به ومباشرته له وتمكنه من اغضاب ربه والسعي في مساخطته فكيف لا يغلب جانب الرحمة في دار تكون الرحمة فيها مضاعفة على ما في هذه الدار تسعا وتسعين ضعفا وقد أخذ العذاب من الكفار مأخذه وانكسرت تلك النفوس وأنهكها العذاب وأذاب منها خبثا وشرا لم يكن يحول بينها وبين رحمته لها في الدنيا ، بل كان يرحمها مع قيام مقتضى العقوبة والغضب بها فكيف إذا زال مقتضى الغضب والعقوبة وقوي جانب الرحمة اضعاف اضعاف الرحمة في هذه الدار واضمحل الشر والخبث الذي فيها فأذابته النار وأكلته ؟ وسر الامر ان أسماء الرحمة والاحسان أغلب وأظهر وأكثر من أسماء الانتقام ، وفعل الرحمة أكثر من فعل الانتقام . وظهور آثار الرحمة أعظم من آثار الانتقام . والرحمة أحب اليه من فعل الانتقام . وبالرحمة خلق خلقه ولها خلقهم ، وهي التي سبقت غضبه وغلبته وكتبها على نفسه ووسعت كل شيء . وما خلق بها فمطلوب لذاته وما خلق بالغضب فمراد لغيره كما تقدم تير ذلك ، والعقوبة تأديب وتطهير والرحمة احسان وكرم وجود . والعقوبة مداواة . والرحمة عطاء وبذل الوجه الخامس والعشرون - انه سبحانه لا بد ان يظهر لخلقه جميعهم يوم القيامة صدقه وصدق رسله وان أعداءه كانوا هم الكاذبين المفترين . ويظهر لهم حكمه الذي هو أعدل حكم في أعدائه وانه حكم فيهم حكما يحمدونه هم عليه فضلا عن أوليائه وملائكته ورسله بحيث ينطق الكون كله بالحمد للّه رب العالمين « تفسير الآن الحكيم » « 13 » « الجزء الثامن »