الشيخ محمد رشيد رضا

7

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فعلوا ضدها ، وقد سبق لنا تحقيق هذه المباحث في التفسير وغير التفسير من أبواب المنار ثم بين تعالى شر ضروب عداء هؤلاء الشياطين للأنبياء وهو مقاومة هدايتهم بقوله ( يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ) أي يلقي بعضهم إلى بعض القول المزين المموه بما يظنون أنه يستر قبحه ويخفي باطله بطرق خفية دقيقة لا يفطن لباطلها كل أحد ليغروهم به . فالايحاء الاعلام بالأشياء من طريق خفي دقيق سريع كالايماء وتقدم . والزخرف الزينة كالازهار للأرض والذهب للنساء والتخييل الشعري في الكلام ، وما يصرف السامع عن الحقائق إلى الأوهام ، والغرور ضرب من الخداع بالباطل مأخوذ من الغرة ( بالكسر ) والغرارة ( بالفتح ) وهما بمعنى الغفلة والبلاهة وعدم التجارب ومنه : شاب غرّ وفتاة غر ( بالكسر ) أي غافلان عن شؤون الرجال والنساء لا تجربة لهما . وهذا مأخوذ من غر الثوب ( بالفتح ) وهو الكسر والثني الذي يحدث من طيه . يقولون طويت الثوب على غره ، أي على ثني طيته الأولى لم أحدث فيه تغييرا ، ثم صار مثلا يضرب لكل ما يترك على حاله ، يقال . طويته على غره . والبصير الذي علمته التجارب حيل الناس وأباطيلهم لا يغر كما يغر من بقي على سجيته التي خلق عليها كالثوب الباقي على طيته الأولى . يقال غره يغره غرا وغرورا والمثال الأول من هذا الغرور هو ما أوحاه الشيطان الأول للانسان الأول أبينا ( آدم ) ولزوجه وهو تزيينه لهما الاكل من الشجرة التي اختبرهما اللّه تعالى بالنهي عن بها إذ قال لهما ( إنها شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى * وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ ) ومنه ما يوسوس به شياطين الانس والجن لمن يزينون لهم المعاصي بما فيها من اللذة ، والانطلاق من القيود المانعة من الحرية ، وأطماع المؤمن منهم بأماني الرحمة والمغفرة ، والكفارات والشفاعة ، كقول أحد شياطين الانس : تكثر ما استطعت من الخطايا * فإنك واجد ربا غفورا تعض ندامة كفيك مما * تركت مخافة النار السرورا والتغرير بزخرف القول قد ارتقى عند شياطين هذا الزمان ولا سيما شياطين السياسة ارتقاء عجيبا فإنهم يخدعون الأحزاب منهم والأمم والشعوب من غيرهم فيصورون لها الاستعباد حرية ، والشقاوة سعادة ، بتغيير الأسماء وتزيين أقبح المنكرات ، وان من الشعوب