الشيخ محمد رشيد رضا
5
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ولا سيما إذا أريد بهم المستهزئون الخمسة خاصة كما تقدم في أول السياق من آخر الجزء السابع ، وهم الوليد بن المغيرة المخزومي والعاصي بن وائل السهمي والأسود بن عبد يغوث الزهري والأسود بن المطلب والحارث بن حنظلة ، فقد كانوا أجهل القوم بهذه الهداية وأشدهم جهلا على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم * * * ولما تضمن القول السابق أن أولئك المشركين المقترحين للآيات أعداء للنبي ( ص ) وما اقترحوا ما اقترحوا إلا لاعتقادهم أنهم لا يؤتونه فيكون ذلك بابا للطعن في رسالته - أراد اللّه تعالى تسليته ( ص ) عن ذلك ببيان أن تلك سنته في جميع النبيين فقال ( وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ) أي وكما جعلنا هؤلاء ومن على شاكلتهم أعداء لك جعلنا لكل نبي جاء قبلك أعداءهم شياطين الانس والجن . والعدو ضد الصديق والحبيب وهو يطلق على المفرد والمثنى والجمع والذكر والأنثى ، قال تعالى في آية أخرى ( فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي ) ولذلك بين العدو هنا بأنهم شياطين الانس والجن فشياطين بيان لعدوا أو بدل منه . ويجوز أن يكون المعنى جعلنا شياطين الانس والجن أعداء لكل نبي بعثه اللّه تعالى . ذهب عكرمة والسدي إلى أن المراد بشياطين الانس الشياطين الذين يضلون الانس بالوسوسة لهم وبشياطين الجن الذين يضلون الجن كذلك وكلهم من ولد إبليس وانه ليس في الانس شياطين . وهذا القول باطل بدليل قوله تعالى ( وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ ) الآية ، والصواب ما روي عن مجاهد وقتادة والحسن وهو أن من الانس شياطين ومن الجن شياطين ورجحه ابن جرير بحديث أبي ذر المرفوع الذي رواه من عدة طرق وهو أن النبي ( ص ) قال له عقب صلاة « يا أبا ذر : هل تعوذت باللّه من شر شياطين الانس والجن ؟ - قال قلت يا رسول اللّه وهل للانس من شياطين ؟ قال - نعم » وقال ابن عباس كل عات متمرد من الجن والانس فهو شيطان . ومعنى هذا الجعل ان سنة اللّه تعالى في الخلق مضت بأن يكون الشرير المتمرد العاتي عن الحق والمعروف أي الذي لا ينقاد لهما كبرا وعنادا وجمودا على ما تعود يكون عدوّا للدعاة اليهما من الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ومن ورثتهم وناشري هدايتهم ، وهكذا شأن كل ضدين يدعو أحدهما إلى خلاف ما عليه الآخر مما يتعلق بمنافعهم