الشيخ محمد رشيد رضا

62

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الفضل والاحسان وغيرهما من صفات الكمال التي لا يعقل معناها إلا بحصول متعلقاتها مثل هذا التنقيص الفظيع ، والكفر المشره الشنيع ؟ وجملة القول أن كلا من الفريقين قصد تنزيه اللّه تعالى عما لا يليق به ، ووصفه بالكمال الذي لا يعقل معنى الألوهية والربوبية بدونه ، فبالغ بعضهم في الاثبات وبعضهم في النفي والوسط بين ذلك . وقول الرازي وأمثاله من غلاة الأشعرية في هذا المقام أبعد عن الصواب وعن مذهب السلف ويمكن أن يستنبط من لوازم رأيهم مثل ما استنبطوا من رأي خصومهم من التشنيع أو أشد ، بل وجد من فعل ذلك ، والحق أن هذه ليست لوازم مقصودة لمذهب هؤلاء ولا هؤلاء والجمهور على أن لازم المذهب ليس بمذهب وإن كان لا يظهر على اطلاقه ( رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ) ( 8 ) إن الحديث الذي بني عليه هذا المراء بما قاله القاضي عبد الجبار المعتزلي في الأشعرية وقابله الرازي الأشعري بأفظع من قوله في المعتزلة هو من الأحاديث التي اخترعها بعض هؤلاء المتعصبين لينبز بها بعضهم بعضا . وعبارته مولدة ليست عربية فصيحة . وقد أخرج أوله الدارقطني في العلل من حديث علي « لعنت القدرية على لسان سبعين نبيا » قال الشيخ محمد الحوت الكبير في كتابه الذي خرج به أحاديث الجامع الصغير الضعيفة قال ابن الجوزي حديث لا يصح فيه الحارث كذاب قال ابن المديني وكذا فيه محمد بن عثمان . ورواه الطبراني وفيه محمد بن الفضل متروك وأورده الذهبي من عدة طرق وقال هذه أحاديث لا نثبت اه . والظاهر أنه يعني بالحارث الحارث بن عبد اللّه الأعور الهمداني صاحب علي كرم اللّه وجهه ، وقد روى عنه الشعبي وقال إنه كذاب وكذبه آخرون ووثقه بعضهم والقول المعتدل فيه أنه ضعيف . وأكثر هؤلاء المتكلمين ليسوا من أهل الحديث ، بل ينقلون كل ما يرونه في الكتب كالعوام . ونكتفي في هذا الفصل الاستطرادي بهذا القدر ونعود إلى تفسير سائر الآيات * * * ( وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً ) أي وهذا الاسلام الذي يشرح اللّه له صدر من يريد هدايته ، هو صراط ربك أيها الرسول الذي بعثك به ، وبين لك في هذه الآيات