الشيخ محمد رشيد رضا
55
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بالعقل ويأتي الشرع بالامر كاشفا لحسن المأمور به وبالنهي كاشفا لقبح المنهي عنه ولا يكون شيء حسنا بمجرد الامر ولا قبيحا بمجرد النهي ، والغلاة في نفيها قالوا لا حسن ولا قبح ذاتيا في شيء من الأشياء يكون مناط التكليف وسببه وسبب ما يترتب عليه من الثواب والعقاب وانما ذلك بالشرع وحده ، فالعدل والصدق والصلاة والصيام لا حسن فيها لذاتها بل الامر بها هو الذي جعلها حسنة ، وكذلك الظلم والكذب والسكر لا قبح فيها لذاتها بهذا المعنى بل عرف قبحها بالشرع وأنه يجوز أن يأمر الرب بما نهى عنه وينهى عما أمر به ولو فعل ذلك لكان الجور والكذب حسنا والعدل والصدق قبيحا وكذلك العبادات كلها لأنه يفعل ما يشاء ويحكم بما يريد ، والقول الأول أب إلى المعقول والمنقول ولكن وقع كثير من القائلين به في الافراط والغلو . فالقول الوسط الذي عليه المعتدلون الجامع بين النصوص أن صفات اللّه تعالى لا تعارض بينها فلا تتعلق مشيئته تعالى بما ينافي حكمته وعدله ورحمته ، وحكمته لا تقتضي تقييد مشيئته بما نفهمه ونعقله نحن منها بحيث نوجب عليه بعض الأوامر أو الافعال ونحظر عليه بعضها ، وانما نعتقد أن كل ما يأمر به فهو حسن وأنه لا يأمر الا بما هو حسن ولا ينهى الا عما هو قبيح كما قال ( 16 : 9 إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ) وقال ( 7 : 27 وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها ، قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) وهذا احتجاج على المشركين والمراد فيه بالفحشاء والفاحشة معناه اللغوي وهو ما عظم قبحه ، ولأجله نهى عنه ، وحسن العدل والاحسان وإيتاء ذي البى متفق عليه بين العقلاء ولأجله أمر به ، ولكن الامر بالشيء قد يكون لما في نفس ذلك الشيء من الحسن والمنفعة وقد يكون ابتلاء للعبد لأجل القيام به لمحض الامتثال والطاعة ، وهذه مصلحة ومنفعة حسنة ولكن حسنها ليس في ذاتها بل في شيء خارج عنها ، ومنه أمر إبراهيم عليه الصلاة والسّلام بذبح ولده وجميع الأفعال التي يسميها الفقهاء تعبدية . فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر كما قال تعالى في تعليل الامر بإقامتها فحسنها ذاتي لها لأنها سبب لذلك من حيث هي مناجاة للّه تعالى وذكر ومراقبة له ولكن فيها ما لا يدرك العقل حسنه في ذاته كعدد