الشيخ محمد رشيد رضا
533
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
حكم اللّه بين عباده نوعان : حكم شرعي يوحيه إلى رسله ، وحكم فعلي يفصل فيه بين الخلق بمقتضى عدله وسننه ، فمن الأول قوله تعالى في أول سورة المائدة ( إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ ) فإنه جاء بعد الامر بالوفاء بالعقود واحلال بهيمة الأنعام الا ما استثنى منها بعد تلك الآية . ومن الثاني ما حكاه تعالى هنا عن رسوله شعيب عليه السّلام . ومثله قوله تعالى في آخر سورة يونس خطابا للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ( وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ) وفي معناه ما ختمت به سورة الأنبياء وهو في موضوع تبليغ دعوة نبينا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ( قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ ، وَإِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ * إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ * وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ * قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ . وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ) وانما حكمه تعالى بين الأمم بنصر ابها إلى العدل والاصلاح في الأرض ، وحكمه هو الحق ، ولا معقب لحكمه ، فليعتبر المسلمون بهذا قبل كل أحد ، وليعرضوا حالهم وحال دولهم على الآن ، وعلى أحكام اللّه لهم وعليهم ، لعلهم يثوبون إلى رشدهم ، ويتوبون إلى ربهم ، فيعيد إليهم ما سلب منهم ، ويرفع مقته وغضبه عنهم . اللهم تب علينا ، وعافنا واعف عنا ، واحكم لنا لا علينا ، انك على كل شيء قدير ( تم الجزء الثامن بفضل اللّه وتوفيقه وكان بدء كتابته في رمضان سنة 1338 ) ونشر أوله في ج 8 من المجلد الحادي والعشرين للمنار وآخره في ج 10 من المجلد الرابع والعشرين الذي صدر في آخر ربيع الأول سنة 1342 ونسأل اللّه تعالى التوفيق للاكمال كما يحب ويرضى ( تمت هذه الطبعة الثانية في آخر جمادى الأولى سنة 1347 ) وللّه الحمد