الشيخ محمد رشيد رضا
515
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
كما أن للكمال والفضائل درجات ، فأولاها أن يلم بالرذيلة وهو يشعر بقبحها ، ويلوم نفسه عليها ، ثم يتوب إلى ربه منها ، ويليها أن يعود إليها المرة بعد المرة مستترا مستخفيا ، ويليها أن يصر عليها ، حتى يزول شعوره بقبحها ، ويليها أن يجهر بها ، ويكون قدوة سيئة للمستعدين لها ، ويليها أن يفاخر بها أهلها ، ويحت من يتنزهون عنها ، وهذه أسفل الدركات ، وهي دركة قوم لوط ، ولا يهبط إليها ولا يسف من يؤمن باللّه واليوم الآخر ، بل وصف اللّه المؤمنين بأنهم إذا عملوا السيئات يعملونها بجهالة ثم يتوبون من يب ، وأنهم لا يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون * * * ( فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ ) أي فأنجيناه وأهل بيته الذين آمنوا معه ، ولذلك استثنى منهم امرأته فإنها لم تؤمن به بل خانته بولاية قومه الكافرين الفاسقين عليه ، فكانت من جماعة الغابرين أي الهالكين أو الباقين الذين نزل بهم العذاب في الدنيا ويليه عذاب الآخرة . يقال غبر بمعنى بقي وبمعنى مضى وذهب وهلك . ومن قال من المفسرين ان أهله هم الذين آمنوا به سواء كانوا من ذوي ابته أم لا فقد غفل عن قوله تعالى في سورة الذاريات ( فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) * * * ( وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً ) أي أرسلنا عليهم مطرا عجيبا امره وهو الحجارة التي رجموا بها قال الزمخشري في الكشاف : الفرق بين مطر وأمطر ان معنى مطرتهم السماء اصابتهم بالمطر كقولهم غاثتهم ووبلتهم وجادتهم ورهمتهم « 1 » ويقال أمطرت عليهم كذا - بمعنى أرسلته عليهم إرسال المطر اه وعن بعض أئمة اللغة أن مطر وأمطر بمعنى واحد كما في الصحاح وقال آخرون ان « مطر » لا يستعمل الا في الرحمة و « أمطر » لا يستعمل الا في العذاب . نقل هذا عن أبي عبيدة وتبعه الراغب والفيروزآبادي في القاموس . والتحقيق أنه يقال : مطرتهم السماء وأمطرتهم ، وسماء ماطرة وممطرة - قاله الزمخشري في حقيقة المادة من أساس البلاغة . ثم قال : ومن المجاز أمطر اللّه عليهم الحجارة اه فالأمطار حقيقة في المطر مجاز فيما يشبهه في الكثرة من خير وشر حسيين أو معنويين مما يجيء من السماء أو من الأرض . وما قال من قال إنه خاص بالشر الا من تكرر الآيات في إرسال الحجارة على قوم لوط ، وقوله تعالى
--> ( 1 ) اي اصابتهم بالويل والغيث والجود بفتح أولهن - والرهام والرهمة - بكسر أولهما - وكلها بمعنى المطر الا ان الوبل المطر الشديد والرهام المطر الخفيف اللين المتواصل