الشيخ محمد رشيد رضا
507
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ما يسمونه قضيب الصاعقة عليها ، فيمتنع بسنة اللّه نزولها بها ، يجوز أن يكون الخالق القادر المقدر قد جعل هلاكهم في وقت ساق فيه السحاب المتشبع بالكهرباء إلى أرضهم بأسبابه المعتادة ، كما يجوز أن يكون قد خلق تلك الصاعقة لأجلهم على سبيل خرق العادة ، وأياما كان الواقع فالآية قد وقعت وصدق اللّه رسوله في إنذار قومه ( فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ ) دار الرجل ما يسكنه هو وأهله « مؤنثة » وتكون مشتملة على عدة بيوت ، والبلد دار لأهله ، ودار الاسلام الوطن الذي تنفذ فيه شرائعه وهي دار العدل الذي يقيمه الإمام الحق ، ويقابلها دار الكفر ودار الحرب . والجثوم للانسان والطير كالبروك للإبل فالأول وقوع الناس على ركبهم وخرورهم على وجوههم ، والثاني وقوع الطير لاطئة بالأرض في حال سكونها بالليل . أو قتلها في الصيد ، والمعنى أنهم لم يلبثوا وقد وقعت الصاعقة بهم ان سقطوا مصعوقين ، وجثموا هامدين خامدين . وأصبحوا إما بمعنى صاروا ، وإما بمعنى دخلوا في وقت الصباح أي حال كونهم جاثمين * * * ( فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ) في سورة هود أن صالحا عليه السّلام أمهل قومه ثلاثة أيام يتمتعون فيها بعد ع الناقة ، فلما انتهت أنجاه اللّه تعالى ومن معه من المؤمنين برحمة منه وانزل العذاب بالباقين الظالمين بعد انجائه ، وإنما يكون الانجاء من عذاب صيحة الصاعقة الطاغية المتجاوزة للحد المعتاد بالبعد عن المكان الذي تقع فيه . وفي هذه الآية أنه تولى عنهم عقب هلاكهم كما يدل عليه العطف بالفاء . والمعهود في مثل هذا أن تتقدم هذه الآية على ما قبلها في الذكر ، كتقدم مدلولها بالفعل ، ولكن عهد في كلام العرب ترك الترتيب بين المعاني لنكت في الكلام ولا سيما كلام يعرف فيه الترتيب بالضرورة أو ما يب منها في الظهور ، وجعل بعضهم الآيتين هنا من هذا القبيل ، بناء على أن ما تضمنته الآية من إعذار صالح إلى قومه بابلاغهم الرسالة ومحضهم النصيحة ، ومن تسجيله عليهم أفن الرأي وفساد الاخلاق بكره الناصحين وعدم الانتفاع بهم - إنما يكون قبل التولي والانصراف عنهم أو عنده ولكن في حال حياتهم وفيه أن هذا وان كان هو الأصل الذي سبق مثله في قصتي نوح وهود إلا أن مثله جائز أن يكون بعد الموت ، وله طريق مسلوك ، وأسلوب معهود ، وآخر مروي مأثور ،