الشيخ محمد رشيد رضا

3

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

صرح بما هو أبلغ من ذلك فقال : * * * ( وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ ) فرأوها المرة بعد المرة بأعينهم وسمعوا شهادتها لك بالرسالة بآذانهم ( وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى ) منهم باحيائنا إياهم آية لك وحجة على صدق ما جئت به عن اللّه تعالى من أن الموت ليس عدما محضا للانسان ( وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ) أي وجمعنا كل شئ من الآيات والدلائل غير الملائكة والموتى فسقناه وأرسلناه عليهم مقابلا لهم أو كافلا لصحة دعواك أو قبيلا قبيلا ( ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ) أي ما كان من شأنهم ولا مقتضى استعدادهم أن يؤمنوا ، ونفي الشأن أبلغ من نفي الفعل ، ذلك بأنهم لا ينظرون في شئ من الآيات نظر استدلال وانما ينظرون إليها نظر من جاءه ولي يريد نصره واغاثته واخراجه من ضيق نزل به فظن أنه عدو يهاجمه ليوقع به ويسلبه ما بيده فينبري لقتاله ، فإذا قال له انما أنا ولي نصير ، لا عدو مغير ، ظن أنه يخدعه بقوله ، وانه إذا لم يسبق إلى قتله قتله ، لا يعقل غير هذا . وقوله تعالى « قُبُلًا » أه عاصم وحمزة والكسائي بضم القاف والباء هنا وفي سورة الكهف ، وأه نافع وابن عامر بكسر القاف وفتح الباء فيهما ، وابن كثير وأبو عمرو كالأولين هنا وكالآخرين في الكهف . قيل إن معنى الاءتين واحد وهو المقابلة والمواجهة بالشيء ونقله الواحدي عن أبي زيد ، والتقدير : وحشرنا عليهم كل شيء من أنواع الدلائل مواجهة ومعاينة ، وقيل إن الأولى جمع قبيل فهو كقضب ورغف ( بضمتين فيهما ) جمع قضيب ورغيف ، والتقدير : وحشرنا عليهم كل شيء من ذلك قبيلا قبيلا وصنفا صنفا ، أي كل صنف منه على حدة . ومن استعمال مفرده في مثل هذا المقام قوله تعالى في حكاية اقتراحهم الآيات من سورة الإسراء ( أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا ) وقيل معناه الكفيل أي وحشرنا عليهم كل ما ذكر كفلاء يضمنون لهم صحة ما جئت به . وهو مروي عن أبي عبيدة والفراء والزجاج . وكل ما ذكر من المعاني للاءتين متفق يؤيد بعضه بعضا . وأما الاستثناء بقوله تعالى ( إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ) فقيل هو منقطع معناه لكن اللّه تعالى إن شاء إيمان أحد منهم آمن ، وقيل هو استثناء متصل من أعم الأحوال أو