الشيخ محمد رشيد رضا
497
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
سعد ) وكان يكتم إيمانه ، والسفاهة خفة الحلم وسخافة العقل ، وتنكيرها لبيان نوعها أو المبالغة بعظمها ، أي قالوا إنا لنراك في سفاهة غريبة أو تامة راسخة تحيط بك من كل جانب بأنك لم تثبت على دين آبائك وأجدادك بل قمت تدعو إلى دين جديد تحت فيه الأولياء الصالحين من قومك الذين اتخذت الأمة لهم الصور والتماثيل لتخليد ذكرهم ، والتب إلى اللّه تعالى بشفاعتهم ، روي عن ابن عباس وغيره أن عادا كانوا أصحاب أو ثان يعبدونها ، اتخذوا أصناما على مثال أصنام قوم نوح وسيأتي نص الرواية في ذلك ، فبعث اللّه إليهم هودا وكان من قبيلة يقال لها الخلود الخ ومثل قولهم هذا قال ويقول المنافقون والمشركون لدعاة الاصلاح من اتباع الأنبياء : انكم سفهاء لاثبات لكم ، وانكم حتم أولياءكم وآباءكم ( وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ ) أي في دعوى الرسالة عن اللّه تعالى اكدوا ظنهم الآثم ، كما أكدوا ما قبله من تسفيههم الباطل ، وهو يتضمن تكذيب كل رسول إذ عبروا عن أصحاب هذه الدعوى بالكاذبين وجعلوه واحدا منهم . والظن هنا على معناه فلو قالوا إنهم يعلمون ذلك لكانوا كاذبين على أنفسهم فيما يحكون من اعتقادهم . وأما حكمهم عليه بالسفاهة فكان على اعتقاد باطل منهم ، ولذلك عبروا عنه بالرؤية التي بمعنى الاعتقاد * * * ( قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ) أي ليس بي أدنى شيء من ضروب السفاهة وشوائبها ولكني رسول من رب العالمين ، واللّه أعلم حيث يجعل رسالته وهي أمانة عنه ، فلا يختار لها إلا أهل الحصافة برجحان العقل وسعة الحلم وكمال الصدق ، وإلا لفات ما يقصد بها من الحكمة ولم تقم بها للّه الحجة * * * ( أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ ) بيان لوظيفة الرسول وحاله عليه السّلام فيها ، اي أبلغكم التكاليف التي أرسلت بها والحال انني أنا لكم ناصح فيما أبلغكم إياه وأدعوكم اليه لان فيه سعادتكم ، أمين على ما أقول فيه : عن اللّه تعالى فإنني لا اكذب عليكم فكيف اكذب على ربي عز وجل ؟ وهذا أقوى من قول نوح : وانصح لكم . فإنه يحتج عليهم بأن النصح وصف قائم به ثابت له عندهم ، لما يعهدون من سيرته معهم ، وكذلك الصدق والأمانة ، لأنهم رموهم بالكذب والسفاهة ، وقوم نوح انما رموه بالضلالة . * * * ( أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ ) تقدم مثله « تفسير الآن الحكيم » « 63 » « الجزء الثاني »