الشيخ محمد رشيد رضا

485

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وقوة سمه في الهواء لمن يستنشقه لا بد له منه في ركن المعيشة الأعظم وهو النبات إذا كثر هذا الحامض في الهواء فصار واحدا في المائة كان ضارا فإذا زاد على ذلك حتى صار 10 في المائة صار شديد الخطر على الانسان والحيوان . وهو يكثر في المباني التي يكثر فيها الناس بخروجه من أنفاسهم والتي تكثر فيها السرج والمصابيح الزيتية والغازية وكذا الشموع فإنها تولده باحتراقها فإذا لم تكن فيها نوافذ متقابلة يدخل الهواء من بعضها ويخرج من الآخر فان هواءها يفسد به ويتسمم دم من فيها . وقد قال علماء هذا الشأن ان الانسان يحتاج إلى أكثر من 16 مترا مكعبا من الهواء في الساعة ، وهو ينفث في كل ساعة 22 لترا من هذا الغاز السام ( الكربون ) فينبغي ان يتقي جميع الناس الاجتماع ونوم الكثيرين في البيوت التي لا يتخللها الهواء ولا سيما إذا كان فيها مصابيح موقدة وان يحذروا من وقود الفحم فيها في أيام البرد فإنه سبب مطرد للاختناق كما ثبت علما وتجربة ، الا إذا وضع في البيت بعد أن تم اشتعاله وذهب غازه في الهواء فلم يبق له رائحة ولا شيء من السواد علمنا من هذا ان الخالق الحكيم قد جعل الهواء مركبا من المواد الضرورية لحياة الاحياء كلها وجعل النسبة بين اجزائه في كل من الحجم والثقل مناسبة لما يحتاج اليه كل جنس ونوع من النبات والحيوان ، فإذا نقص أحدها بتصرف هذه الاحياء فيه بالتغذي والاستنشاق والنفث بما من شأنه ان يوقع اختلالا وتفاوتا في هذه النسبة كان له من سنن اللّه تعالى ما يعيد اليه اعتداله ويحفظه له كتأثير كل من أشعة الشمس في ورق النبات الأخضر ومن تموج البحار في توليد الأكسجين ، وحمل الرياح له إلى الصحاري البعيدة عن الماء الخالية من الأشجار تستفيد جميع أنواع النبات والحيوان من الهواء بفطرتها فلا تحتاج إلى علم كسبي ولا إلى عمل صناعي تهتدي بهما إلى التزام منافعه واتقاء مضاره الا الانسان فإنه - وهو سيد هذه الموجودات بما خلق مستعدا له من اكتساب العلوم واتقان الاعمال إلى غير حد يعرف - هو المحتاج إلى العلم الواسع والعمل المبني على العلم لأجل ذلك ، وكلما اتسع علمه ودقت صناعته صار أشد حاجة إلى العلم والصناعة ، فأهل البداوة أقل حاجة إلى ذلك من أهل الحضارة لأنهم أب إلى حياة الفطرة وأقل جناية عليها من أهل الحضارة في اغذيتهم ومساكنهم يبني أهل الحضارة الدور فيجعلون في كل دار بيوتا كثيرة ومرافق مختلفة فإذا لم يراعوا فيها تخلل الهواء ونور الشمس لها فسد هواؤها ، وكثرت