الشيخ محمد رشيد رضا

477

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ) أطال شيخنا حسين الجسر رحمه اللّه تعالى في المسألة فأثبت أنها من الممكنات إذ لا محال في ايداع الملايين الكثيرة من النسم في ظهر آدم وقد ثبت عند علماء هذا العصر أن في نقطة الماء من الجراثيم الحية بعدد جميع من على الأرض من البشر ، وارتأى أن مستودعها من آدم كان في منيه ، وانها كانت تخرج منه بالوقاع ( قال ) « فتحل في البزور التي تنفصل من مبيض زوجته فيكون هياكلها من تلك البزور مع السائل المنوي ويطورها أطوارا حتى تبلغ صورة الهيكل الانساني ، وأول ذرة من أولاده نقلها إلى بزرتها نقل معها عدد الذرات التي تكون أولادا لها ثم ينقل تلك الذرات في المني الذي ينفصل فيما بعد عن هيكل هذه الذرة الأولى ، وهكذا الحال في بقية أولاده وأولادهم يفعل على تلك الكيفية إلى آخر الدهر . . . وعند بلوغ كل هيكل إلى حد محدود يرسل اللّه تعالى الروح فتحل في ذرتها وتسري فيها وفي هيكلها الحياة والحركة ، فكل انسان هو مجموع الروح والذرة ، وهذه الذرة هي الأجزاء الأصلية التي قال بها اتباع محمد ( ص ) وانها الباقية مدة العمر وهي المعادة بإعادة الروح إليها بعد أن تفارقها بالموت ، والهيكل هو الاجزاء الفضلية التي تروح وتجيء وتزيد وتنقص . فإذا أراد اللّه تعالى موت الانسان فصل عن ذرته الروح ففارقتها الحياة وفارقت الهيكل الذي هو الاجزاء الفضلية وحلهما الموت فيأخذ الهيكل بالانحلال ويجرى عليه من التفرق والدخول في تركيب غيره ما يجرى ، والذرة محفوظة بين أطباق الثرى كما تحفظ ذرات الذهب من البلى والانحلال وان دخلت في تركيب حيوان فإنما تدخل في تركيب هيكله الذي هو الاجزاء الفضلية محفوظة غير منحلة ، فإذا انحل ذلك الهيكل عادت محفوظة في اطباق الثرى ولا تدخل في تركيب الأجزاء الأصلية لذلك الحيوان التي هي حقيقته ، غاية ما يطرأ عليها بالموت مفارقة الروح لها ، وانحلال هيكلها ، وإذا أراد اللّه تعالى حياتها أعاد الروح إليها ، فتعود إليها الحياة وبقية خواصها وان كان هيكلها منحلا « ومن هنا تنحل شبه سؤال القبر ونعيمه وعذابه وأمثال ذلك من أمور البرزخ التي وردت النصوص الشرعية بها ، وانها تكون قبل البعث « ثم إذا أراد اللّه تعالى ان يبعث الخلق للحساب أعاد تكوين هياكل الذرات الانسانية التي هي الاجزاء الفضلية سواء كانت هي الأجزاء السابقة