الشيخ محمد رشيد رضا

475

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

التأويل مثل قوله تعالى ( قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ؟ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ * فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ * فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا ؟ قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ * أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أن لن نَجْمَعَ عِظامَهُ ؟ بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ * وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا ؟ قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ * كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها * يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ * أَ فَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ ) إلى غير ذلك من الآيات ومن الأحاديث أيضا ( وهي ) كثيرة وبالجملة فاثبات الحشر من ضروريات الدين وإنكاره كفر بيقين ( فان قيل ) الآيات المشعرة بالمعاد الجسماني ليست أكثر وأظهر من الآيات المشعرة بالتشبيه والجبر والقدر ونحو ذلك وقد وجب تأويلها قطعا فلنصرف هذه أيضا إلى بيان المعاد الروحاني وأحوال سعادة النفوس وشقاوتها بعد مفارقة الأبدان على وجه يفهمه العوام . فان الأنبياء مبعوثون إلى كافة الخلائق لارشادهم إلى سبيل الحق وتكميل نفوسهم بحسب القوة النظرية والعملية وتبقية النظام المفضي إلى صلاح الكل ، وذلك بالترغيب والترهيب بالوعد والوعيد ، والبشارة بما يعتقدونه لذة وكمالا والانذار عما يعتقدونه ألما ونقصانا . وأكثرهم عوام تقصر عقولهم عن فهم الكمالات الحقيقية . واللذات العقلية ، وتقتصر على ما ألفوه من اللذات والآلام الحسية ، وعرفوه من الكمالات والنقصانات البدنية . فوجب ان تخاطبهم الأنبياء بما هو مثال للمعاد الحقيقي ترغيبا وترهيبا للعوام ، وتتميما لأمر النظام . وهذا ما قاله أبو نصر الفارابي : ان الكلام مثل وخيالات للفلسفة ( قلنا ) انما يجب التأويل عند تعذر الظاهر ولا تعذر ههنا سيما على القول بكون البدن المعاد مثل الأول لا عينه وما ذكرتم من حمل كلام الأنبياء ونصوص الكتاب على الإشارة إلى مثال معاد النفس والرعاية لمصلحة العامة نسبة للأنبياء إلى الكذب فيما يتعلق بالتبليغ والقصد إلى تضليل أكثر الخلائق والتعصب طول العمر لترويج الباطل وإخفاء الحق لأنهم لا يفهمون الا هذه الظواهر التي لا حقيقة لها عندكم . نعم لو قيل إن هذه الظواهر مع إرادتها من الكلام وثبوتها في نفس الامر مثل للمعاد الروحاني واللذات والآلام العقلية وكذا أكثر ظواهر الآن على ما يذكره المحققون من علماء الاسلام لكان حقا لا ريب فيه ، ولا اعتداد بمن ينفيه اه كلام التفتازاني