الشيخ محمد رشيد رضا

469

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

السماء من سحب فيها كالجبال بردا عظيم الشان في شكله وقوته وتأثيره فيمن يصيبه ، و ( مِنْ ) فيه صلة أو للتبعيض أو للتنويع . وما روي مخالفا لهذا فمن إسرائيليات كعب الأحبار وأمثاله كما نبينه في محله ان شاء اللّه تعالى ( فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ) عطف كلا من انزال الماء على سوق السحاب ومن اخراج النبات على انزال الماء بالفاء الدالة على التعقيب ، وهو يتفاوت بتفاوت الأشياء فانزال الماء يعقب سوق السحاب الثقال وجعله كسفا أو ركاما بدقائق معدودة قلما يتجاوزها إلى الساعات ، وسبب السرعة فيه شدة الريح ، ويقابله سبب البطء وهو ضعفها . وأما اخراج النبات بسبب هذا الماء فأمد التعقيب فيه أوسع فإنه يكون بعد أيام تختلف قلة وكثرة باختلاف الأقطار في الحرارة والبرودة . ومن التعقيب ما يكون في أشهر أو سنين فمن الأول قولهم : تزوج فولد له - فهو يصدق بمن يولد له بعد مضي مدة الحمل الغالبة وهي تسعة أشهر بالتيب ، ولعله لا ينافي التعقيب فيه زيادة شهر أو شهرين أو ثلاثة والثمرات جمع ثمرة وهي واحدة الثمر ( بتحريك كل منهما ) والثمر يجمع على ثمار - كجبل وجبال - وجمع الثمار ثمر - ككتاب وكتب - وهو يجمع على أثمار - كعنق وأعناق - قال في المصباح : والثمر هو الحمل الذي تخرجه الشجرة سواء أكل أولا فيقال ثمر الأراك وثمر العوسج وثمر الدوم وهو المقل كما يقال ثمر النخل وثمر العنب اه وهذا أصح وأوضح من قول الراغب : الثمر اسم لكل ما يتطعم من أعمال الشجر . والمراد بكل الثمرات جميع أنواعها على اختلاف طعومها وألوانها وروائحها . وليس المراد أن كل بلد ميت ينزل اللّه فيه الماء يخرج به جميع الثمرات التي خلقها في الأرض ، فقد علم من الآية التالية ومن سنن اللّه تعالى في الأرض ومن المشاهدة ان البلاد تختلف أرضها فيما تخرجه وفي الاخراج ، فالاستغراق لا يصح إلا بالنسبة إلى أرض اللّه كلها . ويكفي في كل ارض ان تخرج أنواعا مختلفة تدل على قدرة اللّه تعالى وعلمه ورحمته وفضله واحسانه . قال تعالى ( 13 : 4 وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ، وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) وقفى على التذكير بهذه الآيات بالتعجب من انكارهم للبعث كما قال هنا :