الشيخ محمد رشيد رضا
461
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والعصيان ، وبذل ثروة العاملين من شعوبهم ، في سبيل التنكيل بالمخالفين لهم ، والجناية على أعدائهم ولو بالجناية على أنفسهم روى أبو الشيخ عن أبي بكر بن عياش أنه سئل عن قوله ( وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ) فقال ان اللّه بعث محمدا إلى أهل الأرض وهم في فساد فأصلحهم اللّه بمحمد ( ص ) فمن دعا إلى خلاف ما جاء به محمد ( ص ) فهو من المفسدين في الأرض اه والافساد بعد الاصلاح أظهر قبحا من الافساد على الافساد ، فان وجود الاصلاح أكبر حجة على المفسد إذا هو لم يحفظه ويجري على سننه . فكيف إذا هو أفسد وأخرجه عن وضعه ؟ ولذلك خصه بالذكر ، وإلا فالافساد مذموم ومنهي عنه في كل حال ، فحجة اللّه على الخلوف والخلائف من المسلمين المفسدين ، لما كان من اصلاح السلف الصالحين ، أظهر من حجته على الكافرين ، الذين هم أحسن حالا من سلفهم الغابرين ، وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً أعاد الامر بالدعاء بقيد آخر بعد أن وسط بينهما النهي عن الافساد ، للايذان بأن من لا يعرف نفسه بالحاجة والافتقار إلى رحمة ربه الغني القدير وفضله واحسانه ، ولا يدعوه تضرعا وخفية ولا خوفا من عقابه وطمعا في غفرانه ، فإنه يكون أب إلى الافساد منه إلى الاصلاح ، الا أن يعجز . والمعنى : وادعوه خائفين أو ذوي خوف من عقابه إياكم على مخالفتكم لشرعه المصلح لأنفسكم ولذات بينكم ، وتنكبكم لسننه المطردة في صحة أجسامكم وشؤون معايشكم - وهذا العقاب يكون بعضه في الدنيا وباقيه في الآخرة - وطامعين في رحمته واحسانه في الدنيا والآخرة ، والقول الجامع في حال النفس عند الدعاء أن تكون غارقة في الشعور بالعجز والافتقار إلى الرب القدير الرحيم ، الذي بيده ملكوت كل شيء ، يصرف الأسباب ، ويعطي بحساب وبغير حساب ، فان دعاء الرب الكريم بهذا الشعور ، يقوى أمل النفس ، ويحول بينها وبين اليأس ، عند تقطع الأسباب ، والجهل بوسائل النجاح ، ولو لم يكن للدعاء فائدة الا هذا لكفى ، فكيف وهو مخ العبادة ولبابها ، واجابته مرجوة بعد استكمال شروطه وآدابه ، وأولها عدم الاعتداء فيه ، فإن لم تكن باعطاء الداعي ما طلبه ، كانت بما يعلم اللّه انه خير له منه . ولا أرى بأسا بأن أقول غير مبال بانكار المحرومين : انني قلما دعوت اللّه دعاء خفيا شرعيا رغبة ورهبة الا واستجاب لي ، أو ظهر لي ولو بعد حين أن عدم الإجابة كان خيرا منها .