الشيخ محمد رشيد رضا
452
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وكنائيا كما تقدم ؟ والقاعدة التي كانوا عليها في كل ما اسنده الرب تعالى إلى نفسه من الصفات والافعال التي وردت اللغة في استعمالها في الخلق ان يؤمنوا بما تدل عليه من معنى الكمال والتصرف مع التنزيه عن تشبيه الرب بخلقه فيقولون انه اتصف بالرحمة والمحبة واستوى على عرشه ، بالمعنى الذي يليق به ، لا بمعنى الانفعال الحادث الذي نجده للحب والرحمة في أنفسنا ، ولا ما نعهده من الاستواء والتدبير من ملوكنا . وحسبنا ان نستفيد من وصفه بهاتين الصفتين اثرهما في خلقه ، وان نطلب رحمته ونعمل ما يكسبنا محبته ، وما يترتب عليهما من مثوبته واحسانه ، ونستفيد من الاستواء على عرشه كون الملك والتدبير له وحده فلا نعبد غيره ، ولذلك نه في آخر آية يونس بقوله ( ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ) وفي سورة ألم السجدة ( 32 : 3 اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ ؟ ) وهذا يؤيد ما صدرنا به تفسير الآية من أنها كأمثالها تر وحدانية الربوبية على أنها حجة لوحدانية الإلهية وابطال عبادة غيره تعالى معه بمعنى ما كانوا يدعونه من الشفاعة اخرج ابن مردويه واللالكائي في السنة ان أم سلمة أم المؤمنين ( رض ) قالت في الجملة : الكيف غير معقول والاستواء غير مجهول والاار به إيمان والجحود به كفر . فان صح كان سببه شبهة بلغتها من بعض التابعين إذ حدث من بعضهم الاشتباه في فهم أمثال هذه النصوص ، كما كثر في المسلمين من لا يفهم اللغة حق الفهم ، ولم يتلق الدين عن أئمة العلم . فكان المشتبه يسأل كبار العلماء فيجيبون بما تلقوا عن علماء الصحابة والتابعين من الجمع بين امرار النصوص وقبولها كما وردت وتنزيه الرب تعالى واستنكار السؤال في صفاته عن الكيف . واخرج اللالكائي في السنة والبيهقي في الأسماء والصفات أن ربيعة شيخ الامام مالك سئل عن قوله ( اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ) كيف استوى ؟ فقال . الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، ومن اللّه الرسالة ، وعلى الرسول البلاغ ، وعلينا التصديق . وأخرجا أن مالكا سئل هذا السؤال أيضا فوجد وجدا شديدا وأخذته الرحضاء ، ولما سري عنه قال للسائل : الكيف غير معقول ، والاستواء منه غير مجهول ، والايمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، وإني أخاف أن تكون ضالا ، وأمر به فأخرج . وفي رواية أنه قال « الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى » كما وصف نفسه ، ولا يقال له كيف ، و « كيف »