الشيخ محمد رشيد رضا
449
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ووحدة السنن التي قام بها بالمصادفة ؟ أو أثر إرادات متعددة ؟ كلا ( فان قيل ) قد ورد في الاخبار والآثار أن هذه الأيام الستة هي من أيام دنيانا واقتصر عليه بعض مفسرينا . وفي حديث أخرجه أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال : أخذ رسول اللّه ( ص ) بيدي فقال « خلق اللّه عز وجل التربة يوم السبت وخلق الجبال فيها يوم الأحد وخلق الشجر فيها يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء ، وبث فيها الدواب يوم الخميس ، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل » وهذا ظاهر في أن الخلق كان جزافا ودفعة واحدة لكل نوع في يوم من أيامنا القصيرة ( فالجواب ) أن كل ما روي في هذه المسألة من الأخبار والآثار مأخوذ من الإسرائيليات لم يصح فيها حديث مرفوع ، وحديث أبي هريرة هذا وهو أقواها مردود بمخالفة متنه لنص كتاب اللّه وأما سنده فلا يغرنك رواية مسلم له به فهو قد رواه كغيره عن حجاج بن محمد الأعور المصيص عن ابن جريج وهو قد تغير في آخر عمره ، وثبت أنه حدث بعد اختلاط عقله ، كما في تهذيب التهذيب وغيره . والظاهر أن هذا الحديث مما حدث به بعد اختلاطه . قال الحافظ ابن كثير في تفسيره بعد ايراده في تفسير الآية : وفيه استيعاب الأيام السبعة واللّه تعالى قال ( فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) ولهذا تكلم البخاري وغير واحد من الحفاظ في هذا الحديث وجعلوه من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار ليس مرفوعا واللّه أعلم اه أي فيكون رفع أبي هريرة له من خلط حجاج بن الأعور . وقد هدانا اللّه من قبل إلى حمل بعض مشكلات أحاديث أبي هريرة المعنعنة على الرواية عن كعب الأحبار الذي ادخل على المسلمين شيئا كثيرا من الإسرائيليات الباطلة والمخترعة وخفي على كثير من المحدثين كذبه ودجله لتعبده ، وقد قويت حجتنا على ذلك بطعن أكبر الحفاظ في حديث مرفوع عزي اليه فيه التصريح بالسماع . على أن رواة التفسير المأثور اخرجوا عن كعب خلاف هذا كرواية ابن أبي شيبة عنه أنه قال : بدأ اللّه بخلق السماوات والأرض يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة وجعل كل يوم الف سنة . وثمة آثار أخرى عن مفسري السلف في تقدير اليوم منها بألف سنة . منها رواية الضحاك عن ابن عباس ، ومثله عن مجاهد وأحمد بن حنبل . وهذا دليل على أنهم وان سموا تلك الأيام بأسماء أيامنا فإنهم لا يعنون أنها منها ، على أن الخمسة الأولى مأخوذة من أسماء الاعداد الأولى « تفسير الآن الحكيم » « 57 » « الجزء الثامن »