الشيخ محمد رشيد رضا
43
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
من التقليد الأعمى الأصم ، أو ما حرمه حرية التصرف وهو ضعف الإرادة عن مخالفة الجمهور ، فهو إذا عرضت عليه الدعوة يجد صدره ضيقا حرجا أو ذا حرج شديد وهو تأكيد للضيق لأنه بمعناه ، وقيل بل هو أضيق الضيق ، وجعله الراغب وغيره مشتقا من الحرجة التي هي الشجر الكثير الملتف بعضه ببعض بحيث لا يتسع للزيادة . وروي أن عمر سأل أعرابيا من مدلج عن الحرجة فقال هي الشجرة تكون بين الأشجار لا تصل إليها راعية ولا وحشية . فقال عمر . كذلك قلب المنافق لا يصل اليه شيء من الخير . ذكره الحافظ ابن كثير ، وفي لسان العرب عن الفراء قال : الحرج فيما فسر ابن عباس هو الموضع الكثير الشجر الذي لا تصل اليه الراعية ، قال وكذلك صدر الكافر لا تصل اليه الحكمة اه وهذا يتفق مع ما قبله فان الحرج بالتحريك جمع حرجة وهي الشجر المذكور . وأطلق كل منهما على المكان ذي الشجر الكثير الملتف . والمعنى أنه يجد صدره شديد الضيق لا يتسع لقبول شئ جديد مناف لما استحوذ على قلبه وفكره من التقاليد ، أو لما يزلزل كبرياءه ويصادم حسده من الخضوع والاتباع لمن يرى نفسه أولى منه بالرياسة والإمامة ، فيكون استثقاله لإجابة الدعوة وشعوره بالعجز عنها كشعوره بالعجز عن الصعود بجسمه في جو السماء لأجل الوصول إليها أو التصاعد فيها بالتدريج أو التصعد أي التكلف له وصعود السماء يضرب به المثل فيما لا يستطاع أو ما يشق على النفس حتى كأنه غير مستطاع . وروي عن مجاهد والسدي تفسير الضيق الحرج بالشاك ، وعن عطاء الخراساني بما ليس فيه للخير منفذ ، وعن سعيد بن جبير قال : لا يجد فيه مسلكا ولا مصعدا . ( كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) أي مثل جعل الصدر ضيقا حرجا بالاسلام وعلى هذا النحو في سنة اللّه فيه وتقديره له بما ذكرنا من أسبابه يجعل اللّه الرجس على الذين يعرضون عن الايمان فيظهر في أعمالهم وتصرفهم ولا سيما مع أهل الدعوة فيكون معظمها قبيحا سيئا في ذاته أو فيما بعث عليه من قصد ونية ، فان الرجس يطلق في اللغة على كل ما يسوء أو يستقذر حسا أو عقلا وعرفا . وقد أطلنا في شرح معناه في تفسير آية الخمر من سورة المائدة ( 5 : 93 ) فهو يفسر في كل كلام بما يناسب المقام ، وقد روي عن ابن عباس تفسيره هنا بالشيطان ، وعن