الشيخ محمد رشيد رضا
444
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وأنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون « 1 » ( قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ) هذا بيان من اللّه تعالى لحالهم وغاية تمنيهم يقول : قد خسروا أنفسهم في الدنيا بتدسيسها وتدنيسها بالشرك والمعاصي ، وعدم تزكيتها بالتوحيد والفضائل والاعمال الصالحات ، فلم يكن لها حظ في الآخرة ، ويومئذ يضل ويغيب عنهم ما كانوا يفترون من خبر الشفعاء كقولهم في معبوداتهم ( هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ ) فلم يكن لهم من عوض عن أنفسهم . وقد تقدم تفسير خسران النفس في ( س 6 : 12 و 20 ) « 2 » وتفسير ( وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ) في ( 6 : 24 ) ونحوها ( 6 : 94 وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ - إلى قوله - وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ) « 3 » * * * ( 53 ) إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ ، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ بين اللّه تعالى في الآيتين اللتين قبل هذه الآية وبعد آيات الجزاء والمعاد سبب هلاك الكافرين وخسران أنفسهم بالشرك في ألوهيته ، وعبادة من اتخذوهم شفعاء عنده بغير اذنه ، وعدم اتباع الرسل الذين دعوهم إلى عبادته وحده بما شرعه لهم ، دون ما ابتدعوه أو ابتدعه لهم من قبلهم ، ثم قفى على ذلك بخمس آيات جامعة لجملة ما جاءت به الرسل من الدين بايجاز بليغ ، ابتدأها بآية الخلق والتكوين ، الهادية إلى حقيقة الربوبية والألوهية برهانا على أصل الدين ، فقال عز وجل : ( إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) الرب هو السيد والمالك والمدبر المربي ، والاله هو المعبود أي الذي يتوجه اليه الانسان عند الشعور بالحاجة إلى ما يعجز عنه بكسبه ومساعدة الأسباب له ، فيدعوه لكشف الضر أو جلب النفع ، ويتب اليه بالأقوال والاعمال التي يرجى أن
--> ( 1 ) راجع ص 350 ( 2 ) ص 327 ( 3 ) ص 346 و 628 كل ذلك في ج 7