الشيخ محمد رشيد رضا

438

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يعذبون في النار من المؤمنين الذين رجحت سيئاتهم على حسناتهم ، والدليل على عدم بقاء أحد في منزلة بين الجنة والنار ما ورد من الآيات الكثيرة في القسمة الثنائية ( فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ) وكل من تلك الاحتمالات التي يبنى عليها الترجيح بين هذين القولين له مرجحات ومعارضات من الآيات كما علم من تفسيرنا لها ، وقد يكون من مرجحات الثاني أو الثالث وضع هذه الآيات بين نداء أهل الجنة أهل النار : ( أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا ) الآية ، ونداء أهل النار أهل الجنة أن يفيضوا عليهم من الماء والطعام الذي يتمتعون به في قوله عز وجل : * * * ( 49 ) وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ ( 50 ) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ * * * * * * قوله تعالى ( وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ) يدل على أن حالة الآخرة تقتضي إمكان إفاضة أهل الجنة الماء وغيره على أهل النار على ما بين المكانين من الارتفاع والانخفاض ، وقد بينا وجهه المعقول في مقدمة تفسير هذا السياق . وإفاضة الماء صبه ومادة الفيض فيها معنى الكثرة ، وما رزقهم اللّه يشمل الطعام وغير الماء من الأشربة و « أَوْ » في قوله « أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ » للتخيير فهي لا تمنع الجمع بين الماء والطعام ، ويقدر بعضهم فعلا مناسبا للرزق على حد * علفتها تبنا وماء باردا * والصواب ان الفيض والإفاضة يستعملان في غير الماء والدمع فيقال فاض الرزق والخير وأفاض عليه النعم ، ومن الأمثال أعطاه غيضا من فيض - أي قليلا من كثير . وعد الزمخشري الإفاضة في الحديث من الحقيقة خلافا للراغب الذي جعلها استعارة . والمعنى أن أهل النار يستجدون أهل الجنة أن يفيضوا عليهم من النعم الكثيرة التي يتمتعون بها من شراب وطعام ، وقدموا طلب الماء لان