الشيخ محمد رشيد رضا

422

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

النعيم جزاءه - فأدخل اللام على المسبب للعلم بالسبب - وما كنا لنهتدي أي وما كان من شأننا ولا مقتضى بديهتنا أو فكرتنا أن نهتدي اليه بأنفسنا لولا أن هدانا اللّه اليه بتوفيقه إيانا لاتباع رسله ومعونته لنا عليها ورحمته الخاصة ، علاوة على هداية فطرته التي فطرنا عليها وهداية ما خلق لنا من المشاعر والعقل ، تاللّه لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فهذا مصداق ما وعدنا من الجزاء على التوحيد والعمل الصالح وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي ونودوا من قبل الرب تبارك وتعالى بأن قيل لهم : تلكم هي الجنة البعيدة المنال - لولا فضل ذي الجلال والاكرام - التي وعد بوراثتها الأتقياء ، أورثتموها بسبب ما كنتم تعملون في الدنيا من الصالحات ، فعلامة البعد في اسم الإشارة للبعد المعنوي الذي بيناه ، إذ السياق دال على أن هذا النداء يكون بعد دخولها ، والتبوء من غرف قصورها ، وجعله بعض المفسرين حسيا على القول بأن النداء يكون عندما يرونها منصرفين إليها من الموقف ، وبعضهم زمنيا مرادا به الجنة الموصوفة على ألسنة الرسل في الدنيا ، وقد بعد عهد ذكرها ، والوعد بها ، وهو وجيه تكرر في الآن التعبير عن نيل أهل الجنة للجنة بالإرث . والأصل في الإرث أن يكون انتقالا للشيء من حائز إلى آخر كانتقال مال الميت إلى وارثه وانتقال الممالك من أمة إلى أخرى . وكذا إرث العلم والكتاب قال تعالى ( وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ ) وقال ( وَرِثُوا الْكِتابَ ) * وقال ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا ) ولا يظهر شيء من هذا في الجنة ، وإنما يخرج ايراثها هنا وما في معناه وارثها في قوله ( أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ ) على وجهين ( أحدهما ) انهم يعبرون بالإرث عن الملك الذي لا منازع فيه ( وثانيهما ) ما ورد من أن اللّه تعالى جعل لكل أحد من المكلفين مكانا في الجنة هو حقه إذا طلبه بسببه وسعى اليه في صراطه المستقيم ، وهو الايمان والاسلام للّه رب العالمين ، وهو ما وعد به جميع أفراد أمة الدعوة على ألسنة الرسل ( ع . م ) وورثتهم الناشرين لدعوتهم بالعلم والعمل ، فمن كفر خسر مكانه من الجنة وأعطيه أهل الايمان والتقوى فما من أحد منهم الا وله حظ من الإرث . والاستعمالان مجازيان ، وهما متفقان لا متباينان اخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن السدي في تفسير الآية قال : ليس من