الشيخ محمد رشيد رضا

416

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ولكنه غير ظاهر هنا فلا دليل على أن التقليد يقتضي مضاعفة العذاب على العمل المقلد فيه وانما هو ذنب في نفسه لأنه كفر بنعمة العقل ، وما أوجبه اللّه بالكتاب والفطرة من العلم بالنظر والبحث ، والاجتهاد في استبانة الحق ، وما قيل من أن جزاء الضعف على الاتباع بأن اتخاذهم الرؤساء متبوعين مما يزيد في طغيانهم أو بأنه طلب لأعراض الدنيا باتباع الهوى والعصيان - يقال فيه ما قيل فيما قبله من أن هذه ذنوب مستقلة لا يعبر عن عقابها بأنه ضعف الا بضرب من التجوز ذلك بأن الضعف هنا هو الزائد على عقاب الذنب نفسه بسبب يلابسه فهو كقوله في محاورة الاتباع المقلدين للمتبوعين من سورة ص ( 38 : 60 قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ ) فقد صرح فيه بالزيادة ، وقوله من سورة الأحزاب حكاية عن التابعين المرءوسين في النار ( 33 : 67 وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ( 68 ) رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً ) وقد كان من سبق رحمة اللّه لغضبه وانتقامه وغلبة فضله على عدله ان وعد بمضاعفة جزاء الحسنات لذاتها دون السيئات كما قال ( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها ) وكما قال ( 4 : 39 إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ) وكل ما ورد في كتابه في مضاعفة العذاب فهو على الاغواء والاضلال وسوء القدوة الا آية الفرقان فقد قال بعد ذكر الشرك وأكبر الكبائر من المعاصي ( 25 : 68 وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً ( 69 ) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً ) ولو انفردت دون سائر آيات المضاعفة بحكم جديد لا يتعارض معها لم تكن مشكلة ولكنها معارضة بها وبقاعدة الحزاء على السيئة بمثلها الا من أغوى غيره وأضله بقوله أو عمله فكان قدوة سيئة له فوجب الجمع بينها وبين الآيات والأخبار الصحيحة المرة لهذه القاعدة كأن يقال إن العقاب فيها على مجموع الشرك وكبائر الفواحش وهو مقسم عليهما لكل منهما جزء أو نوع منه فكان مضاعفا بالنسبة إلى عقاب المشرك الذي لم يقترف تلك الكبائر أو عقاب مقترفها كلها أو بعضها من غير المشركين ، وانما الممنوع بمقتضى القاعدة أن يضاعف العذاب على كل منهما مع انتفاء الاضلال وسوء القدوة . ويحتمل أن يقال إن فاعل تلك المعاصي