الشيخ محمد رشيد رضا
408
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
في أن لكل فرد أجلا في علم اللّه وفي تقديره ( ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ) فأما الذي في علمه تعالى فلا يتغير . ولا يقتضي هذا نفي الأسباب والمسببات ، ولا كون الناس مجبورين لا اختيار لهم في أمور الحياة والممات . فان كلا من هذين حق ثابت بالحس والضرورة وبالوحي جميعا والحق الواقع مثال ومصداق لما في العلم . وليس العلم فاعلا فيه وانما هو كاشف له . واما الاجل المقدر بمقتضى نظام الخلق فهو الذي يعبر عنه علماء الدنيا بالعمر الطبيعي وهو مائة سنة في متوسط تقدير أطباء عصرنا . وهم يقدرون لكل فرد عمرا بعد الفحص عن قوة جسمه وأعضائه الرئيسة ووظائفها ويشترط في صحة التقدير أن يعيش بنظام واعتدال وتقوى فإذا أخل بذلك اختل التقدير وبعد عن الحقيقة الثابتة في علم اللّه تعالى وإلا كان يبا منها بحسب ما علم من سننه تعالى . ومن قتل أو غرق مثلا قبل انتهاء العمر المقدر له يقال إنه مات قبل انتهاء عمره الطبيعي أو التقديري . ولكن بأجله الحقيقي عند اللّه تعالى . وكل لما ورد في نقص العمر واطالته والانساء فيه بالأسباب العملية والنفسية كصلة الرحم والدعاء فإنما هو بالنسبة إلى الاجل التقديري أو الطبيعي الذي هو عبارة عن مظهر سنن اللّه في الأسباب والمسببات . فان صلة الرحم من أهم أسباب هناء المعيشة وهناء المعيشة من أهم أسباب طول العمر . وكذلك الدعاء الذي منشؤه قوة الايمان باللّه والرجاء في معونته وتوفيقه للمؤمن فيما يضعف عنه أو يعجز عن أسبابه ، ومن الأمور الثابتة بالتجارب المطردة أن الهموم والأكدار ولا سيما الداخلي منها كقطيعة الارحام . واليأس من روح اللّه القادر على كل شيء عند تقطع الأسباب ، يضعفان قوى النفس الحيوية ويهرمان الجسم قبل إبان الهرم كما قال الشاعر : والهم يخترم الجسيم نحافة * ويشيب ناصية الصبي ويهرم وللهموم أسباب كثيرة تدخل في هذا الباب . ومثلها في تقصير العمر الطبيعي قلة الغذاء الذي يحتاج اليه البدن والاسراف فيه وفي كل لذة ، وكذا في الراحة والتعب وكثرة التعرض للنجاسة والسكنى في الأمكنة القذرة التي لا تصيبها الشمس ولا يتخللها الهواء بالقدر الذي يكفي لامتصاص الرطوبات وقتل جراثيم الفساد فيها والأمم العليمة بالسنن الإلهية في الصحة والسقم والقوة والضعف تحصي دائما عدد المرضى والموتى فيها وتضع لها نسبا حسابية تعرف بها متوسط الآجال