الشيخ محمد رشيد رضا

401

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

« وأصل الشرك والكفر هو القول على اللّه بلا علم ، فان المشرك يزعم أن من اتخذه معبودا من دون اللّه ، يبه إلى اللّه ويشفع له عنده ، ويقضي حاجته بواسطته ، كما تكون الوسائط عند الملوك . فكل مشرك قائل على اللّه بلا علم ، دون العكس ، إذ القول على اللّه بلا علم قد يتضمن التعطيل والابتداع في دين اللّه ، فهو أعم من الشرك ، والشرك فرد من أفراده . ولهذا كان الكذب على رسول اللّه ( ص ) موجبا لدخول النار ، واتخاذ منزلة منها مبوّأه ، وهو المنزل اللازم الذي لا يفارقه صاحبه ، لأنه متضمن للقول على اللّه بلا علم كصريح الكذب عليه لان ما انضاف إلى الرسول فهو مضاف إلى المرسل ، والقول على اللّه بلا علم صريح افتراء الكذب عليه ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ! ) * فذنوب أهل البدع كلها داخلة تحت هذا الجنس فلا تتحقق التوبة منه إلا بالتوبة من البدع ، وأنى بالتوبة منها لمن لم يعلم أنها بدعة ، أو يظنها سنة . فهو يدعو إليها ، ويحض عليها ؟ فلا تنكشف لهذا ذنوبه التي تجب عليه التوبة منها ، إلا بتضلعه من السنة وكثرة اطلاعه عليها ، ودوام البحث عنها والتفتيش عليها ، ولا ترى صاحب بدعة كذلك أبدا ، فان السنة بالذات تمحق البدعة ولا تقوم لها ، وإذا طلعت شمسها في قلب العبد قطعت من قلبه ضباب كل بدعة ، وأزالت ظلمة كل ضلالة ، إذ لا سلطان للظلمة مع سلطان الشمس ، ولا يرى العبد الفرق بين السنة والبدعة ، ويعينه على الخروج من ظلمتها إلى نور السنة ، إلا تجريد المتابعة ، والهجرة بقلبه كل وقت إلى اللّه ، بالاستعانة والاخلاص وصدق اللجأ إلى اللّه ، والهجرة إلى رسوله ، بالحرص على الوصول إلى أقواله وأعماله وهديه وسنته « فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله » ومن هاجر إلى غير ذلك فهو حظه ونصيبه في الدنيا والآخرة واللّه المستعان . اه * * * ( 34 ) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ، فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ هذه الآية الثالثة مما قفي به على النداء الثالث لبني آدم ، ووجه وصلها بما قبلها انه تعالى قد بين في الثانية مجامع المحرمات على بني آدم وهي أصول المفاسد والمضار الشخصية والاجتماعية في إثر إباحة أصول المنافع من الزينة والطيبات النافعة لهم « تفسير الآن الحكيم » « 51 » « الجزء الثامن »