الشيخ محمد رشيد رضا
37
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
رُسُلُ اللَّهِ ، اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ، سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ ( 124 ) فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ، وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ ، كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ( 125 ) وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ( 126 ) لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ ، وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ الآية الأولى من هذه الآيات معطوفة هي وما في حيزها على آخر أمثالها من طوائف الآيات التي تصف أحوال المشركين وعقائدهم وأعمالهم ومقاومتهم للاسلام وصدهم عنه وعن الرسول الداعي اليه مبدوءا أولها بالحكاية عنهم بضمير الغيبة ثم قد يتخللها آيات بضمير الخطاب على طريقة الالتفات ، ويتضمن بعضها ما يتضمن من الحقائق في الايمان وسنن الاجتماع وطبائع الأمم ، وأب هذه الطوائف الآيات المبدوءة بضمير الغيبة في الحكاية عنهم الآية التي افتتح بها هذا الجزء ( الثامن ) وهي قوله تعالى ( 110 وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ) وهي ابطال لما حكاه عنهم بقوله ( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها ) إلى آخر الآيتين اللتين ختم بهما الجزء السابق ( السابع ) وقد تضمنت هذه الطائفة من الآيات - ومن الجزء إلى هنا - احتجاجا على المشركين في آية الآن وكونها أقوى حجة على الرسالة من جميع آيات الرسل وحقائق في طباع البشر وشؤون الكفار في جميع الأمم ، واثبات ضلال أكثر أهل الأرض وتخصيص مسألة الذبائح لغير اللّه من ضلالهم بالذكر لأنها من أكبرها ، ووحي الشياطين لأوليائهم في المجادلة فيها ، وتلا ذلك ضرب المثل للمؤمنين والكافرين ، وبيان قاعدة الاجتماع البشري في الأمم الضار بمكر زعمائها المجرمين ، وهذه القاعدة تنطبق أتم الانطباق على جمهرة أكابر مكة وبذلك يكون التناسب والاتصال بين هذه الآيات