الشيخ محمد رشيد رضا

383

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الكهوف والمغارات ، والقبائل الكثيرة الوثنية ، في بعض جزائر البحار وجبال إفريقية ، كلهم يعيشون عراة الأجسام نساء ورجالا ، وان الاسلام ما وصل إلى قوم منهم الا وعلمهم لبس الثياب بايجابه للستر وللزينة إيجابا شرعيا ، ولما أسرف بعض دعاة النصرانية الاوربيين في الطعن في الاسلام لتنفير أهله منه وتحويلهم إلى ملتهم ، ولتحريض اوربة عليهم ، رد عليهم بعض المنصفين منهم ، فذكر في رده أن لانتشار الاسلام في إفريقية منة على أوربة بنشره للمدنية في أهلها بحملهم على ترك العري وإيجابه لبس الثياب الذي كان سببا لرواج تجارة النسيج الأوربية فيهم . بل أقول : إن بعض الأمم الوثنية ذات الحضارة والعلوم والفنون كان يغلب فيها معيشة العري حتى إذا ما اهتدى بعضهم بالاسلام صاروا يلبسون ويتجملون ثم صاروا يصنعون الثياب ، وقلدهم جيرانهم من الوثنيين بعض التقليد ، هذه بلاد الهند على ارتقاء حضارة الوثنيين فيها قديما وحديثا لا يزال ألوف الألوف من نسائهم ورجالهم عراة أو أنصاف أو أرباع عراة فترى بعض رجالهم في معاهد تجارتهم وصناعتهم بين عار لا يستر الا السوأتين - ويسمونهما « سبيلين » وهي الكلمة العربية التي يستعملها الفقهاء في باب نواقض الوضوء - أو ساتر لنصفه الأسفل فقط ، وامرأة مكشوفة البطن والفخذين أو النصف الاعلى من الجسم كله أو بعضه ، وقد اعترف بعض علمائهم المنصفين بأن المسلمين هم الذين علموهم لبس الثياب والاكل في الأواني . ولا يزال أكثر فائهم يضعون طعامهم على ورق الشجر ويأكلون منه ، ولكنهم خير من كثير من سائر الوثنيين سترا وزينة ، لان المسلمين كانوا حكامهم ، وقد كانوا ولا يزالون من أرقى مسلمي الأرض علما وعملا وتأثيرا في وثنيي بلادهم . وأما المسلمون في بلاد الشرق التي يغلب عليها الجهل فهم أب إلى الوثنية منهم إلى الاسلام في اللباس وكثير من الاعمال الدينية ومنهم نساء مسلمي ( سيام ) اللاتي لا يرين في أنفسهن عورة سوى السوأتين كما تقدم آنفا فحيث يقوى الاسلام يكون الستر والزينة اللائقة بكرامة البشر ورقيهم فمن عرف مثل هذا عرف قيمة هذا الأصل الاصلاحي في الاسلام ، ولولا ان جعل هذا الدين المدني الاعلى اخذ الزينة من شرع اللّه أوجبه على عباده لما نقل أمما وشعوبا كثيرة من الوحشية الفاحشة ، إلى الحضارة الراقية ، وإنما يجهل هذا الفضل له من يجهل التاريخ وان كان من أهله ، بل لا يبعد ان يوجد في متحذلقة المتفرنجين منهم من يجلس في ملهى أو مقهى أو حانة متكئا مميلا طربوشه على رأسه