الشيخ محمد رشيد رضا
378
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
في حجية بلوغ الدعوة كونها على وجه من الصحة والحجة يحرك إلى النظر فيها والا فليس من شأن أحد من البشر أن يبحث عن كل ما يبلغه من أمر الأديان ولا سيما إذا بلغه بصورة مشوهة تدعو إلى الاعراض عنها ، واتقاء إضاعة الوقت في النظر فيها ، وبزعم كثير من المسلمين أن جميع أهل هذا العصر قد بلغتهم دعوة الاسلام على وجهها وما أجهلهم بحال العصر وأهله وبالدعوة وأدلتها على أنهم تركوها منذ ون ولولا ذلك لما جهلوها قال السيد الآلوسي في تفسير ( وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ) عطف على ما قبله داخل معه في حيز التعليل أو التأكيد ، ولعل الكلام من قبيل * بنو فلان قتلوا فلانا * والأول في مقابلة من هداه اللّه تعالى شامل للمعاند والمخطيء ، والثاني مختص بالثاني ، وهو صادق على المقصر في النظر والباذل غاية الوسع فيه . واختلف في توجه الذم على الأخير وخلوده في النار ، ومذهب البعض أنه معذور ، ولم يفرقوا بين من لا عقل له أصلا ومن له عقل لم يدرك به الحق بعد أن لم يدع في القوس منزعا في طلبه ، فحيث يعذر الأول بعدم قيام الحجة عليه يعذر الثاني لذلك . ولا يرون مجرد المالكية واطلاق التصرف حجة . وللّه الحجة البالغة ، والتزام أن كل كافر معاند بعد البعثة وظهور أمر الحق كنار على علم - وأنه ليس في مشارق الأرض ومغاربها اليوم كافر مستدل - مما لا يقدم عليه الا مسلم معاند ، أو مستدل بما هو أو هي من بيت العنكبوت ، وانه لا وهن البيوت ، وادعى بعضهم ان المراد من المعطوف عليه المعاند ومن المعطوف المخطيء ، والظاهر ما قلنا اه هذا وان المعذور في الخطأ لا يكون عند اللّه كالمصيب ، وإن الذي يتحرى الحق المرضي عند اللّه تعالى المنجي في الآخرة لا بد أن يعرف باخلاصه في النظر واجتهاده في الطلب كثيرا من الحق والخير ، ومعرفته حجة عليه ، ومن كان هذا شأنه كان أجدر الناس بقبول دعوة الرسل إذ بلغته على وجهها ، لأنه أحق بها وأهلها ، فإن لم يقبلها كان في نظره على هوى . ويتفاوت هؤلاء المجتهدون المخطئون بتفاوت حظوظهم من معرفة الحق واتباعه ، ومعرفة الخير والعمل به واجتناب ضده ، إذ بذلك تتزكى الأنفس والمدار في الآخرة على تزكيتها . وقد بينا هذا في موضع آخر من التفسير بما هو أوسع مما هنا . واللّه أعلم بالصواب واليه المرجع والمآب