الشيخ محمد رشيد رضا

375

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فأقسطوا وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد - أو وقل لهم أقيموا الخ - إقامة الشيء إعطاؤه حقه وتوفيته شروطه كإقامة الصلاة وإقامة الوزن بالقسط ، والوجه حسي ومعنوي - فقوله تعالى ( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) * من الأول وقوله ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ) من الثاني ، والمراد به توجه القلب وصحة القصد ، فان الوجه يطلق على الذات ، وما هنا من الثاني وان ورد عن بعضهم تفسيره بالأول أيضا ، وجعله بعضهم بمعنى التوجه إلى الكعبة في كل صلاة في كل مسجد أينما كان . والمعنى : أعطوا توجهكم إلى اللّه تعالى عند كل مسجد تعبدونه فيه حقه من صحة النية وحضور القلب وصرف الشواغل سواء كانت العبادة طوافا أو صلاة أو ذكرا أو فكرا - وادعوه وحده مخلصين له الدين وان لا تشوبوا دعاءكم ولا غيره من عبادتكم له بأدنى شائبة من الشرك الأكبر هو التوجه إلى غيره من عباده المكرمين ، كالملائكة والرسل والصالحين ، ولا إلى ما وضع للتذكير بهم من الأصنام والقبور وغيرها - ولا من الشرك الأصغر وهو الرياء وحب اطلاع الناس على عبادتكم والثناء عليكم بها والتنويه بذكركم فيها . وكانوا يتوجهون إلى غيره معه زاعمين أن المذنب لا يليق به أن يقبل على اللّه وحده ويقيم وجهه له حنيفا ، بل لا بد له أن يتوسل اليه بأحد من عباده الطاهرين المكرمين ليشفع لهم عنده ويبهم اليه زلفى . وهذا من وسواس الشيطان ، وشبهتهم فيه كشبهتهم في عدم الطواف في ثياب عصوه فيها ، وجعلهم هذا وذاك من الدين ونسبته إلى اللّه تعالى افتراء عليه وقول عليه بغير علم مما أوحاه إلى رسله ، وانما أوحى إليهم ما نطقت به هذه الآية وأمثالها من الآيات الناطقة بالامر بتجريد التوحيد من كل شائبة والاخلاص في العبادة - كما أمر بأخذ الزينة عند كل مسجد وجعل الظاهر عنوانا للباطن في طهارته وحسنه من غير رياء ولا تكلف وهو مقتضى تحري القسط والعدل في كل امر كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ هذا تذكير بالبعث والجزاء على الاعمال ودعوة إلى الايمان به في إثر بيان أصل الدين ومناط الامر فيه والنهي ، الوارد في سياق أصل تكوين البشر ، واستعدادهم للايمان والكفر ، والخير والشر ، وما للشيطان في ذلك من اغواء الكافرين الذين يتولونه ، وعدم سلطانه على المؤمنين الذين يتولون اللّه ورسوله . وهذه الجملة من أبلغ الكلام الموجز المعجز فإنها دعوى متضمنة للدليل بتشبيه الإعادة بالبدء فهو يقول :