الشيخ محمد رشيد رضا
365
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الواقية فيه ، وكما يتقى وصول العث إلى الثياب الصوفية بمنع وصول الغبار إليها ، أو بوضع الدواء المسمى بالنفتالين بينها ، وهو يقتل العث برائحته كذلك يجب الاخذ بارشاد طب الأنفس والأرواح في وقايتها من فتك جنة الشياطين فيها بالوسوسة التي تزين للناس الأباطيل والشرور المحرمة في هذا الطب لشدة ضررها - ولم يحرم الدين شيئا على الناس إلا لضرره وإفساده - فان مداخلها في أنفسهم ، وتأثيرها في قلوبهم وخواطرهم ، كدخول تلك في أجسادهم ، وتأثيرها في أعضائهم من حيث لا ترى . واتقاؤها كاتقائها نوعان ، أحدهما تقوية الأرواح بالايمان باللّه تعالى وصفاته ومراقبته ومناجاته واخلاص العبادة له والتخلق بالأخلاق الكريمة والفضائل ، وترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغي بغير حق حتى ترسخ فيه ملكات الخير ، وحب الحق ، وكراهة الباطل والشر - فحينئذ تبعد المناسبة بينها وبين تلك الأرواح الشيطانية التي تدعو إلى الباطل والشر فتبعد عنها ، ولا تطيق الدنو منها ، كما هو شأن العث مع الثوب المشبع برائحة النفتالين ، بل الجعل مع عطر الورد أو الياسمين ، وهؤلاء المتقون هم عباد اللّه المخلصون ، الذين ليس للشيطان عليهم من سلطان كما بينه تعالى بقوله في بيان هذه الحقائق لفطرية الواردة بأسلوب الخطاب بين الشيطان وبين الرب تبارك وتعالى من سورة لحجر ( 15 : 39 قال ( أي الشيطان ) رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ 40 إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ 41 قال ( أي الرب تعالى ) هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ 42 إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ) وقد تقدم هذا وأمثاله في تفسير القصة ، وهذا الصراط المستقيم في الآية هو سنته تعالى في الخلقة الروحية بأن الروح الكامل المهذب بالتقوى والاخلاص تؤثر فيه الوسوسة الشيطانية ولا تتمكن منه ، وهذا هو معنى نفي سلطان الشيطان عنه ، كما أن الميكروبات والهوام لا تجد لها مأوى في الأجساد النظيفة طاهرة القوية . والنوع الثاني من هذه التقوى ما يعالج به الوسواس بعد طروئه كما يعالج المرض حدوثه بتأثير تلك الهوام الخفية فيه بالأدوية التي تقتلها وتمنع امتداد ضررها أول ما يجب في ذلك بعد التنبه والتذكر لما حصل بسبب الوسوسة من فعل معصية ترك واجب أن تترك المعصية ويؤدى الواجب ويتوب العاصي كما تاب أبونا آدم وجه عليهما السّلام ، وأن يستعان على ذلك بذكر اللّه تعالى بالقلب والتضرع