الشيخ محمد رشيد رضا
363
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
هنالك ان هذا وذاك من الإسرائيليات التي لا دليل عليها . وعن مجاهد في قوله ( يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما ) قال التقوى . وقد نقل ابن جرير هذه الأقوال ولم يعتد بشيء منها . بل جوز ان يكون ذلك اللباس غيرها . وعلله بأنه ليس في المسألة خبر تثبت به الحجة . واختار التفويض وترك تعيين ذلك اللباس . وهذا ما اعتمدنا عليه هنالك في رد الروايات . فان التعيين في مثلها لا يقبل الا بخبر صحيح من المعصوم . واما ما رجحناه من غير جزم . فأخذناه من سنة اللّه تعالى في التكوين وبدء الخلق وقد استدل بعض الناس بهذه القصة على كراهة رؤية كل من الزوجين سوأة الآخر حتى في خلوة المباعلة الزوجية . وانما القصة مبينة لحال الفطرة وليس فيها حكم التكليف الشرعي في هذه المسألة . هل هو الكراهة أو الإباحة ؟ ومن الناس من يرى أن القول بكراهة ما ذكر حرج شديد وتحكم في الفطرة ، وحجر عليها في صفة التمتع الحلال المطلوب شرعا بما لا تظهر له حكمة ، والمختار ان هذا من المباح ولا حجر فيه ولا حرج . وما ورد في هذا الباب من السنة فآداب إرشادية للخواص يستفيد كل أحد منها بقدر سلامة فطرته ، ودرجة أدبه وفضيلته ، كحديث عائشة أنه ( ص ) ما رأى منها ولا رأت منه . ولكن لا نسلم ان جعل رؤية السوءة ولا سيما باطنها مكروها تنزيها فلا يحسن التمادي فيها - مما لا تظهر له حكمة تليق بدين الفطرة . فان اطلاق العنان في المباحات كلها قد يفضي إلى الاسراف الضار الذي يقصد به صاحبه زيادة اللذة فيصدق قول الأمثال : من طلب الزيادة وقع في النقصان . ورب أكلة هاضت الآكل ، وحرمته مآكل ، وما جاوز حده ، جاور ضده . ولكن هذه حكمة عالية لا يفقهها الا حكيم خبير يعلم أن من أعطى نفسه منتهى ما يقدر عليه من اللذة - وان مباحة - فلم يقف عند حد أدب شرعي ولا فطري ولا طبي آل أمره في الاسراف إلى اضعاف هذه اللذة حتى تحتاج في إثارتها إلى العالجة والأدوية ثم لا تكون الا ناقصة . ويتكرر إضعافها بعد إثارتها بسنة رد الفعل حتى تكون مرضا . ويكون صاحبها حرضا أو يكون من الهالكين . ولهذا نرى أكثر المترفين سيئي الهضم شديدي الاقهاء والطسي « 1 » يكثرون حتى في من الشباب من الأدوية والمحرضات على الطعام ، والمعاجين والحبوب السامة
--> ( 1 ) الاقهاء فقد شهوة الطعام والطسي التخمة من كثرة الدهن والدسم وفعله طسي كرضي وطسا كغزا