الشيخ محمد رشيد رضا
361
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) أي ذلك الذي ذكر من نعم اللّه بانزال أنواع الملابس الصورية والمعنوية من آيات اللّه تعالى ودلائل احسانه إلى بني آدم وكثرة نعمه عليهم . التي من شأنها أن تعدهم وتؤهلهم لتذكر فضله ومننه والقيام بما يجب عليهم من شكرها . واتقاء فتنة الشيطان لهم بابداء العورات تارة وبالاسراف في الزينة تارة أخرى . وسيأتي ما ذكر مفسر والسلف في هذا السياق من طواف المشركين بالبيت الحرام عراة وما لهم من الشبهة في ذلك ومن مباحث اللفظ أن اسم الإشارة في قوله تعالى ( وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ) استعمل مكان الضمير في الربط . وجعل جملة ( ذلِكَ خَيْرٌ ) خبرا لقوله ( وَلِباسُ التَّقْوى ) يدل على تأكيد مضمونها بتكرار الاسناد وذهب بعضهم إلى جعل « ذلِكَ » صفة لباس ومنهم الزجاج وجعله بعضهم بدلا أو بيانا له * * * ( يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ) يقال في هذا النداء ما قيل فيما قبله . وتكرار النداء في مقام الوعظ والتذكير ، من أقوى أساليب التنبيه والتأثير ، يعرف ذلك الانسان من نفسه ، ويشعر به في قلبه . ونظيره في التنزيل قصة الجن من سورة الأحقاف إذ جاء فيها الوعظ والانذار بتكرار النداء يا قومنا . . . يا قومنا . . . ووعظ مؤمن آل فرعون في سورة غافر : يا قوم . . . يا قوم . . . وقد فاتنا أن نذكر في تفسير النداء في الآية الأولى أن الذي يفهم من أساليب العربية في نسبة الانسان إلى أحد أجداده أنه خاص بالجد الذي صار رئيس القبيلة أو العشيرة الكبيرة التي انحصر نسبها فيه كيش وعبد القادر الجيلاني وعثمان مؤسس السلطنة العثمانية ومحمد علي الكبير مؤسس دولة مصر الجديدة . أو الذي له صفة ممتازة يقتضي المقام تذكير من ينسب اليه بها لمشاركته له فيها أو للتعريض بتجرده منها مثلا . كأن تقول لبعض أحفاد الخديوي توفيق يا ابن إسماعيل أو هذا ابن إسماعيل في مقام السخاء وسعة العطاء اثباتا أو نفيا . ولو قلت له في هذا المقام يا ابن توفيق كان خطأ فان توفيقا لم يشتهر بصفة السخاء وكثرة الهبات . وتسمية الناس أبناء آدم من النوع الأول . وفي كل منهما تدل الينة على أن المنسوب إليه أحد الأجداد وليس هو الأب . فمن استدل بالنداء في هذه الآيات على أن أولاد الأولاد يدخلون في الوقف على الأولاد بدلالة اللغة فقد أخطأ والفتنة الابتلاء والاختبار وأصله من قولهم فتن الصائغ الذهب والفضة إذا عرضهما