الشيخ محمد رشيد رضا
353
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
إلى الحق والخير وبالأرواح الشيطانية التي تجذبها إلى الباطل والشر ، وان عاقبة التأثر الأول سعادة الدارين بما تقبله طبيعة كل منهما ، وعاقبة الثاني شقاء الدارين بقدر ما يوجد من أسباب الشقاء فيهما ، ويحتاج البشر في ذلك إلى هداية الوحي الإلهي الهادية إلى اتقاء الأول والتعرض للآخر ، وهو ما بينه تعالى في سورة طه بقوله ( 20 : 122 قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى 123 وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى 124 قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً ( 125 ) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى ) ونحوه ما تقدم في سورة البة فهذا أثر الدين في الحفظ من شقاء الدنيا وهلاك الآخرة ، وكتاب اللّه حجة على من لا يصدق عليهم ذلك في حالهم ، ومن يفسرونه بما يخالف ذلك بأقوالهم وقد تقدم في تفسير القصة من سورة البة أن بعضهم جعلها تمثيلا لبيان هذه السنن والنواميس في فطرة البشر والشياطين على أن يكون المراد بآدم نوع الانسان الذي هو أصله كما تسمي العرب القبيلة باسم أصلها وجدها الأشهر فتقول فعلت يش كذا وكذا وقالت تميم : كيت وكيت ، وتكون الجنة عبارة عن نعمة الحياة ، والشجرة عبارة عن الغريزة التي تثمر المعصية والمخالفة ، كما مثل كلمتي الكفر والايمان بالشجرة الخبيثة والشجرة الطيبة ، ويكون الامر بالخروج من الجنة أمر قدر وتكوين ، لا أمر تشريع وتكليف ، وقد شرح الأستاذ الامام هذا التأويل شرحا بليغا يراجع هنالك « 1 » والغرض المقصود منه لا يتوقف عليه وانما هو أب إلى أذهان من يعسر اقناعهم بظواهر النصوص ولا تطمئن قلوبهم الا بمثل هذا الضرب من البيان هذا ملخص مضمون القصة أو ملخص بقيتها ، وأما ملخص ما فيها من العبرة فهو أنه ينبغي لنا أن نعرف أنفسنا بغرائزها واستعدادها للكمال ، وما يعرض لها دونه من الموانع ، فيصرفها عنه إلى النقائص ، وأن أنفع ما يعيننا على تربيتها أن نتذكر عهد اللّه الينا بأن نعبده وحده ، وأن لا نعبد معه الشيطان ولا غيره ، وأن نذكره ولا ننساه فننسى أنفسنا ، ونغفل عن تزكيتها ، وصقلها بصقال التوبة كلما عرض لها من وسواس الشيطان ما يلوثها ، فإنه ان يترك صار صدأ وطبعا « 2 » مفسدا لها ، وما أفسد أنفس البشر ودساها إلا غفلة عقولهم وبصائرهم
--> ( 1 ) راجع ص 208 ج 1 ( 2 ) الطبع بفتح الباء كالصداء