الشيخ محمد رشيد رضا

348

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لَهُما سَوْآتُهُما ) وما هو ببعيد ( وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ ) أي وقال فيما وسوس به لهما : ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة أن تأكلا منها إلا لأحد امرين : اتقاء أن تكونا بالاكل منها ملكين أي كالملكين فيما أوتي الملائكة من الخصائص كالقوة وطول البقاء وعدم التأثر بفواعل الكون المؤلمة والمتعبة وغير ذلك ، وأابن عباس وابن كثير « مَلَكَيْنِ » بكسر اللام واستشهد له الزجاج بما حكاه تعالى عن الشيطان في سورة طه بقوله ( قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى ) وهو ضعيف والاءة شاذة - أو اتقاء أن تكونا من الخالدين في الجنة ، أو الذين لا يموتون البتة . أو همهما أن الاكل من هذه الشجرة يعطي الآكل صفة الملائكة وغرائزهم ويقتضي الخلود في الحياة ، واستدلوا به على تفضيل الملائكة على آدم ، وخصه بعضهم بملائكة السماء والكرسي والعرش من العالين والمبين دون ملائكة الأرض المسخرين لتدبير أمورها الذين كان معنى سجودهم له أن اللّه سخر لنوعه جميع قوى الأرض وعوالمها - وذكر الرازي في تفسير الآية أنها أحد الدلائل على كون الملائكة الذين سجدوا لآدم هم ملائكة الأرض فقط ، واستدل الشيخ محيي الدين بن العربي على عدم سجود جميع الملائكة له بقوله تعالى لإبليس في سورة الحجر ( أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ ؟ ) بناء على أن العالين خواص الملائكة * * * ( وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ ) ادعى اللعين أنه ناصح لهما فيما رغبهما فيه من الاكل من الشجرة . ولما كان محل الظنة في نصحه عندهما ، لأنه تعالى أخبرهما بأنه عدو لهما ، اكد دعواه بأشد المؤكدات واغلظها ، وهي القسم وان واللام وتقديم « لَكُما » على متعلقه الدال على الحصر . وكان الظاهر أن يقال واقسم لهما فان المقاسمة تدل على المشاركة كقاسمه المال اي اخذ كل منهما قسما وللمفسرين في الصيغة قولان أحدهما ان صيغة فاعل وردت للمفرد كثيرا وهذا منها فمعناه : وحلف لهما ، واستشهد له ابن جرير بقول خالد بن زهير وقاسمها باللّه جهدا لأنتم * الذ من السلوى إذا ما نشورها والقول الثاني انها على أصلها ، ووجهوه بوجوه لا دليل عليها كقولهم انهما أقسما له انهما يقبلان نصيحته إذا اقسم انه ناصح ، وقولهم انهما طلبا منه