الشيخ محمد رشيد رضا

32

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

للكافر ، وانما لم يذكر في المشبه إلا النوع الثاني لان السياق له وانما ذكر الأول في المثل المشار اليه في التشبيه لبيان قبح الضد بمقابلته بحسن ضده ، والذي يزين للكافرين أعمالهم القبيحة هو الشيطان بوسوسته كما قال في خطابه للباري تعالى ( 15 : 39 لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ) وسائر شياطين الانس والجن كما تقدم في تفسير الآية 111 وان كان كل ما يجري في الكون يسند إلى اللّه تعالى باعتبار الخلق والتقدير واقامته نظام الكون بسنن ارتباط الأسباب بالمسببات ، ونقدم اسناد تزيين الاعمال إلى الشيطان في الآية 43 من هذه السورة . وقد حققنا في تفسير قوله تعالى ( 3 : 13 زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ ) ما يسند من التزيين إلى اللّه تعالى وما يسند منه إلى الشيطان وما يبنى فعله للمجهول بالشواهد من الآيات الكثيرة الواردة في ذلك . فليراجع في الجزء الثالث من التفسير ( ص 238 ) ومنه يعلم ضعف استدلال بعض المفسرين والمتكلمين بالآية على مذاهبهم . * * * ( وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها ) اختلف في وجه التشبيه هنا فاستنبطه بعضهم من ينة الحال التي نزلت فيها السورة وهي بيان حال أهل مكة في كفرهم وعداوتهم للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم باغراء أكابرهم المستكبرين ، وتقديره : وكما جعلنا في مكة أكابر مجرميها ليمكروا فيها جعلنا في كل ية من ى الأمم أكابر مجرميها ليمكروا فيها فليس هؤلاء الأكابر ببدع من الأكابر المجرمين بل ذلك شأن الأكابر المترفين المتكبرين في كل أمة ، واستنبطه بعضهم من عبارة الآية التي قبل هذه الآية فجعل الينة له لفظية فقال في التقدير : وكما زين للكافرين ما كانوا يعملون كذلك جعلنا في كل ية الخ وجمع بعضهم بين الينتين اللفظية والحالية المعنوية فعلى هذا يكون التقدير هكذا : وكما أن أعمال أهل مكة مزينة لهم جعلنا في كل ية أكابر مجرميها ليمكروا فيها فزين لهم بحسب سنتنا في البشر سوء أعمالهم في عداوة الرسل ومقاومة الاصلاح اتباعا للهوى واستكبارا في الأرض ولفظ أكابر جمع أكبر ، وفسره مجاهد وقتادة بالعظماء أي الرؤساء إشارة إلى أنه جمع كبير ، قال ابن جرير ولو قيل هو جمع كبير فجمع أكابر لكان صوابا . واستدل بما سمع عن العرب من قولهم الاكابرة والاصاغرة والأكابر والأصاغر بغير الهاء قال :