الشيخ محمد رشيد رضا

332

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وليس للنار أو لمارجها مثل هذه المزايا ولا ما يب منها . ( السادس ) أن اللعين غفل عما خص اللّه به آدم من خلقه بيده ، والنفخ فيه من روحه ، وجعل استعداده العلمي والعملي فوق استعداد غيره من خلقه ، ومن تشريفه بأمر الملائكة بالسجود له ، وجعله بتلك المزايا أفضل من أولئك الملائكة ، وهم أفضل من إبليس بعنصر الخلقة وبالطاعة فهذه أصول الجهل والغباوة التي أوقع إبليس فيها حسده لآدم واستكباره عن طاعة اللّه بالسجود له . وأنت ترى أن أولياءه ونظراءه من شياطين الانس مرتكسون فيها كلها والعياذ باللّه تعالى . قال قتادة : حسد عدو اللّه إبليس آدم على ما أعطاه اللّه من الكرامة وقال أنا ناري وهذا طيني فكان بدء الذنوب الكبر ، واستكبر عدو اللّه أن يسجد لآدم فأهلكه اللّه بكبره وحسده . وسيأتي تفسير الكبر والتكبر وهذا التفصيل مبني على كون الامر بالسجود للتكليف ، وأنه وقع حوار فيه بين الرب سبحانه وبين إبليس ، واما على القول بأن الامر للتكوين ( كما سيأتي عن ابن كثير ) وأن القصة بيان لغرائز البشر والملائكة والشيطان فالمعنى أنه تعالى جعل ملائكة الأرض المدبرة بأمر اللّه واذنه لأمورها بالسنن التي عليها مدار نظامها ، كما قال تعالى ( فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً ) مسخرة لآدم وذريته إذ خلق اللّه هذا النوع مستعدا للانتفاع بها كلها بعلمه بسنن اللّه تعالى فيها ، وبعمله بمقتضى هذه السنن كخواص الماء والهواء والكهرباء والنور والأرض معادنها ونباتها وحيوانها ، واظهاره لحكم اللّه تعالى وآياته فيها ، ومستعدا لاصطفاء اللّه بعض أفراده ، واختصاصهم بوحيه ورسالته ، وإقامة من اهتدى بهم لدينه وميزان شرعه . وقد أشير إلى ذلك في سورة البة بقوله تعالى ( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ) إلا أنه جعل الشيطان عاتيا متمردا على الانسان بل عدوا له من حيث إن الانسان بروحه وسط بين روح الملائكة المفطورين على طاعة اللّه وإقامة سننه في صلاح الخلق وبين روح الجن الذين يغلب على شرارهم - وهم الشياطين - التمرد والعصيان ، وقد أعطي الانسان إرادة واختيارا من ربه في ترجيح ما به يصعد إلى أفق الملائكة وما به يهبط إلى أفق الشياطين وسيأتي تفصيل ذلك في هذا السياق وفي الآية من المباحث اللغوية زيادة « لا » في جملة « ما مَنَعَكَ أن لا تَسْجُدَ » إذ قال في سورة « ص » ( ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ ) وقد عهد في الكلام العربي الفصيح أن تجيء لا في سياق النفي الصريح وغير الصريح لتقويته وتوكيده وكذا في