الشيخ محمد رشيد رضا
323
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
في كتب أهل السنة إلى جماعتهم ، وان لم يعرف له أصل من السلف ، ولا اتفق عليه الخلف منهم ، وهذه المسألة مما اختلف فيه السلف والخلف كما علمت ؛ فاختلف علماء أهل السنة القائلون بأن الوزن بميزان هل هو ميزان واحد أم لكل شخص أو لكل عمل ميزان ؟ وفي الموزون به حتى قيل إنه الاشخاص لا الاعمال وفي صفة الموزون والوزن ، وفيمن يوزن لهم أللمؤمنين خاصة أم لهم وللكفار ، وفي صفة الخفة والثقل وفيها ثلاثة أقوال ولهذا الخلاف ثلاثة أسباب ( أحدها ) اختلاف الاخبار والآثار عن السلف وأكثرها لا يصح ولا يحتج بمثله في الاحكام العملية فضلا عن المسائل الاعتقادية ( ثانيها ) الاختلاف في فهمها ( ثالثها ) الرأي والتخيل والقياس مع الفارق فان الخلف من المنتمين إلى مذاهب السنة خاضوا فيما خاض فيه غيرهم من تحكيم الرأي في أمور الغيب فالمعتزلة أخطأوا في قياس عالم الغيب على عالم الشهادة وانكار وزن الاعمال بحجة انها أعراض لا توزن وأن علم اللّه بها يغني عن وزنها ، ورد عليهم بعض المنتمين إلى السنة ردا مبنيا على أساس مذهبهم في قياس عالم الغيب على عالم الشهادة وتطبيق أخبار الآخرة على المعهود المألوف في الدنيا فزعموا أن الاعمال تتجسد وتوزن أو توضع في صور مجسمة أو ان الصحائف التي تكتب فيها الاعمال هي التي توزن بناء على أنها كصحائف الدنيا إمارق ( جلد ) وإما ورق والأصل الذي عليه سلف الأمة في الايمان بعالم الغيب أن كل ما ثبت من أخباره في الكتاب والسنة فهو حق لا ريب فيه نؤمن به ولا نحكم رأينا في صفته وكيفيته . فنؤمن إذا بأن في الآخرة وزنا للأعمال قطعا ، ونرجح انه بميزان يليق بذلك العالم يوزن به الايمان والاخلاق والاعمال ، لا نبحث عن صورته وكيفيته ، ولا عن كفتيه إن صح الحديث فيهما كما صوره الشعراني في ميزانه ، ويؤخذ من آيات كثيرة ان ذلك يكون باعتبار تأثيرها في النفس من تزكية أو تدسية وهو ما يترتب عليه جل الجزاء كما تقدم شرحه . وإذا كان البشر قد اخترعوا موازين للاعراض كالحر والبرد أفيعجز الخالق الباريء القادر على كل شيء عن وضع ميزان للأعمال النفسية والبدنية المعبر عنها بالحسنات والسيئات ، بما أحدثته في الأنفس من الاخلاق والصفات ؟ والنقل والعقل متفقان على أن الجزاء انما يكون بصفات النفس الثابتة ، لا بمجرد ما كان سببا لها من الحركات والاعراض الزائلة ، قال تعالى ( 6 : 139 سَيَجْزِيهِمْ