الشيخ محمد رشيد رضا

298

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

المثبتة لرسالة محمد عليه الصلاة والسّلام . ولو فات من تلاها عليهم النبي « ص » كلمة من أولها لما فهموا مما بعدها شيئا فكانت جديرة بأن تبدأ بهذه الحروف المسترعية للاسماع المنبهة للأذهان . وكان هذا بعد انتشار الاسلام بعض الانتشار ، وتصدي رؤساء يش لمنع الرسول « ص » من الدعوة وتلاوة الآن على الناس ولا سيما في موسم الحاج . وكان السفهاء يلغطون إذا أو يصخبون ( 41 : 26 وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) وأما سورة « ن » ففاتحتها وخاتمتها في بيان تعظيم شأن الرسول صاحب الدعوة « ص » ودفع شبهة الجنون عنه ، وهي أول ما نزل بعد سورة « اقرأ باسم ربك » وكانت شبهة رميه - حماه اللّه وكرمه - بتهمة الجنون مما يتبادر إلى الأذهان من غير عداوة ولا مكابرة . فان رجلا أميا فقيرا وادعا سلما ، ليس برئيس قوم ، ولا قائد جند ، ولا ذي تأثير في الشعب ، بخطابة ولا شعر ، يدعي أن جميع البشر على ضلال الكفر والفسق ، وأنه مرسل من اللّه لهداية هؤلاء الخلق ، وأن دينه سيهدي العرب والعجم واصلاح شرعه سيعم جميع الأمم ، لا يستغرب من مدارك أولئك المشركين الأميين الجاهلين بسنن اللّه في الأمم وآياته في تأييد المرسلين ، أن يكون أول ما يصفون به صاحب هذه الدعوى قبل ظهور الآيات والعلوم بقولهم « إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ » « 1 » وبعد ظهورها بقولهم « ساحر أو كاهن أو مجنون » « 2 » وبعد ظهور العلم والعرفان بقولهم « مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ » « 3 » ( 51 : 52 كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ( 53 ) أَ تَواصَوْا بِهِ ؟ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ ) نعم قد قيل : ان « ن » هنا بمعنى الدواة ولذلك ن بالقلم لبيان أن هذا الدين يقوم بالعلم والكتابة كما قال في أول ما نزل عليه قبلها ( اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ) . وقيل إنه بمعنى الحوت لان في السورة ذكرا لصاحب الحوت يونس عليه السّلام . ولو صح هذا أو ذاك لما كتبت النون مفردة ونطقت ساكنة . بل كانت تذكر مركبة ومعربة كقوله ( وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً ) وانما يصح أن يكون فيها إشارة إلى ما ذكر كما يصح في سائر تلك الحروف أن يكون فيها إشارات إلى معاني معينة تظهر لبعض الناس دون بعض أو غير معينة تذهب فيها الافهام مذاهب تفيد أصحابها علما أو عبرة بشرط

--> ( 1 ) هو ما حكاه عنهم في آخر سورة « ن » بعد الرد عليهم في أولها وفي أوائل سورة الحجر ( 2 ) أشير اليه في سورة الطور ( 3 ) حكاه عنهم في سورة حم الدخان