الشيخ محمد رشيد رضا

284

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وهذا جهل وغفلة من قوم يؤمنون بأن اللّه تعالى هو الذي بدأ هذا الخلق وبأنه هو الذي خلق السماوات والأرض . وانه قادر على كل شيء . لهذا اكتفى في هذه السورة بجعل هذه القضية في ثبوتها كالقضايا المسلمة مع التذكير في بعض الآيات بمشيئة اللّه النافذة وقدرته الكاملة وحكمته في التكليف والجزاء وكونه رحمة منه تعالى وهو غني عن عبادة العباد كالآيات الثلاث 132 - 134 ( ص 113 ) ولم يذكر هذه الصفات هنا بأسلوب الاستدلال لأنه لم يحك عن المنكرين شيئا من الاحتجاج ، وما ثم احتجاج ولا ما حكاه عنهم في غير هذه السورة من التعجب والاستغراب ، فكان الغرض من سرد الآيات بالأساليب التي أشرنا إليها التأثير في النفس ، فان من غرائز البشر ومقتضى فطرتهم أن تتأثر أنفسهم وعقولهم بما يتكرر على أسماعهم من كلام الصادقين الموقنين ، ولا سيما إذا كانوا هداة مهديين . وقد كان فيما نزل قبل هذه السورة حكاية تعجبهم من خبر البعث وتفنيد ذلك بأسلوب إقامة الحجة ، ودحض الشبهة . ومنها سورة ( يس ) وقد تكرر فيها ذكر الحشر والبعث والجزاء ، وختمت بأسلوب المناظرة والاستدلال . فراجع تفسيرها في مفاتح الغيب للرازي . وذكر مثل ذلك في فواتح السورة التي تليها ( الصافات ) وفي فاتحة سورة ( ق ) ومن الرد عليهم في أثنائها ( 50 : 15 أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ ؟ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ) وقد بينا في تفسير آيات البعث والجزاء في هذه السورة وغيرها ما ينبغي بيانه وذكرنا فيه بعض ما ورد في سور أخرى . فللقاريء أن يراجع ذلك إذا أراد أن يجمع بين الآيات في ذلك عالم الغيب عقيدة البعث والجزاء مما يجب اعتقاده من أمر عالم الغيب ومنه الملائكة والجن والشياطين والجنة والنار . وقد كانت العرب تؤمن كغيرها من الأمم بالملائكة وقد عبدوهم وبوجود الجن وكانوا يزعمون أنهم يظهرون لهم أحيانا بصور الغيلان وانهم يسمعون أصواتهم وعز فهم . وانهم يلقون الشعر في هواجس الشعراء . ويستغني القارئ عن ذكر ما ورد في هذه السورة من الآيات في ذلك بمراجعة كلمات الملائكة والشياطين والغيلان والروح والاواح والجنة والنار في فهرس هذا الجزء وما قبله وكذا غيرهما من أجزاء التفسير وبمراجعة ما كتبناه في تفسير اسم اللّه اللطيف ومنها تعلم أن العلوم الكونية قد وصلت إلى درجة لم يعد يستغرب معها شيء من أخبار